قريش : استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف ويبذعرّ فيه الناس إلى معايشهم . وشقّ على أصحاب السرية وقالوا : ما نبرح حتى تنزل توبتنا ، وردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العير والأسارى . وعن ابن عبّاس : لما نزلت أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الغنيمة وهو أول غنيمة في الإسلام . والسائلون هم المشركون كتبوا إليه في ذلك تشنيعا وتعييرا . وقيل :
أصحاب السّريّة .
شرح
بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين وأسر الحكم وعثمان فكانا أول أسيرين في الإسلام وأفلت نوفل فأعجزهم . واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المدينة فقالت قريش : قد استحل محمد الشهر الحرام فسفك فيه الدماء وأخذ الحوائب .
وعيّر بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين . وقالوا : يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه . فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لابن جحش وأصحابه : « ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام » . ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك فعظم ذلك على أصحاب السرية فظنوا أن قد هلكوا وسقط في أيديهم فقالوا : يا رسول اللّه إنّا أصبنا الحضرمي ثم أمسينا فرأينا هلال رجل فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى . وأكثر الناس في ذلك . فأنزل اللّه هذه الآية ، فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس في الإسلام وقسم الباقي بين أصحاب السرية وكان أول غنيمة في الإسلام .
وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال : بل نبقيهما حتى يقدم سعد وعتبة وإن لم يقدما قتلناهما بهما فلما قدما فاداهم . فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا . وأما عثمان بن عبد اللّه فرجع إلى مكة فمات بها كافرا ، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوق في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا وقتله اللّه فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية » . فهذا سبب نزول الآية . قوله : ( يبذعر فيه الناس ) أي يتفرقون .
الجوهري : ابذعروا أي تفرقوا . قال أبو السميدع : ابذعرت الخيل إذا ركضت تبادر شيئا تطلبه . قوله : ( كتبوا إليه في ذلك تشنيعا وتعييرا ) قال الواحدي : لما بلغ الخبر إلى كفار قريش ركب وفدهم حتى قدموا المدينة فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل اللّه تعالى :يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِيعني أن أهل الشرك يسألونك عن ذلك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام . قوله : ( وقيل أصحاب السرية ) مبناه على أن أكثر الحاضرين عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا مسلمين ولأن ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى :أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ[ البقرة : 214 ] وما بعدها وهو قوله :يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ[ البقرة : 219 ]وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى[ البقرة : 220 ] كل