تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
كقوله تعالى :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
[ الأحقاف : 15 ]
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وهو جميع ما كلّفوا به ، فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم وسبب فلاحهم .
وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
وهو جميع ما نهوا عنه فإن النفس تحبّه وتهواه وهو يفضي بها إلى الرّدى وإنما ذكر عسى لأنّ النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر
شرح
المكلف إجبار له على الحكم إلا أنه لم يلتفت إليه أحد المفسرين إذ لا يلائمه . قوله :وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْإذ الملائم لذلك المعنى أن يكون تكرهوا مبنيا للمفعول بخلاف ما إذا كان الكره من الكراهة على طريق التوصيف بالمصدر أو على كون الكره بمعنى المكروه فإنه يلائم أن يقال بعده وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم . قوله : ( كقوله تعالى :حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً) الظاهر أنه استشهاد على وجه القراءة بالفتح أو على القراءتين ليطابق ما ذكره هنالك من أن الكره والكره كالفقر والفقر لغتان بمعنى المشقة . وجاز أن يكون استشهادا للوجه الثاني من قراءة الفتح خاصة لأنها مكرهة على ذلك شاءت أو أبت ، فإن قيل : الخطاب في هذه الآية للمؤمنين فكيف يخاطب اللّه تعالى المؤمنين بأن ما كتبته عليكم وكلفتكم به كره لكم وهو يشعر بكون المؤمنين كارهين لحكم اللّه وتكليفه ؟ وذلك غير جائز لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر اللّه وتكاليفه بل يرضى بذلك ويحبه ويعلم أن صلاحه فيه وفساده في تركه . والجواب أن المراد من كونه كرها للمؤمن كونه ثقيلا شاقا على نفسه وما كان كذلك يكرهه الإنسان بطبعه وإن كان يحبه المؤمن بعقله واعتقاده وكراهة الطبع لا تنافي الإيمان بل تحقق معنى العبودية لأن التكليف عبارة عن إلزام ما فيه كلفة ومشقة ومدار أمر الدين ليس إلا مخالفة الهوى واختيار جانب المولى وتحمل مشقة اتباع الشرع وعدم الالتفات إلى نفرة الطبع . وأما كراهة الاعتقاد فهي من صفات المنافقين قال تعالى في حقهم :وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ[ التوبة : 54 ] وعسى من أفعال المقاربة ولم يستعمل إلا ماضيه فقط نقل إلى إنشاء الترجي أو الإشفاق مثل لعل وهذا في استعمال العباد إياه ، وأما ما وقع في كلام اللّه تعالى فهو يكون للترجية أو التخويف . قوله : ( وهو جميع ما كلّفوا به ) فإن جميع ذلك من قبيل ما يكرهه طبع المكلف وهو خير له كما أن جميع ما نهوا عنه من قبيل ما يميل إليه الطبع ويحبه وله شر له يؤديه إلى الهلاك المعنوي أي ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وربما يكون الأمر بالعكس . قوله : ( وإنما ذكر عسى ) جواب لما يرد على الوهم من أن الجملة إنما تصدر « بعسى » و « لعل » إذا كان مضمونها غير محقق الوقوع بل مطموعا متوقعا وكراهية الإنسان بطبعه ما