تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
الكتاب أي ملتبسا بالحق شاهدا به .
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
أي اللّه أو النبيّ المبعوث أو كتابه .
فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
في الحق الذي اختلفوا فيه أو فيما التبس عليهم .
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ
في الحقّ أو الكتاب
إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ
أي الكتاب المنزل لإزالة الخلاف أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيحا للاختلاف سببا لاستحكامه .
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
حسدا بينهم وظلما لحرصهم على الدنيا
فَهَدَى
شرح
الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح ثم اختلفوا بعد ذلك . وإذا ثبت هذا القدر بالدليل القطعي ولم يثبت بشيء من الدلائل أنهم كانوا متفقين على الكفر والباطل وجب حمل اللفظ على ما ثبت بالدليل ، وأن لا يحمل على ما لم يثبت بشيء من الدليل . وقال قتادة وعكرمة : كان الناس من وقت آدم عليه الصلاة والسّلام إلى مبعث نوح عليه الصلاة والسّلام وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى ، ثم اختلفوا في زمن نوح عليه الصلاة والسّلام فبعث اللّه إليهم نوحا وكان أول نبي بعثه اللّه . واللّه أعلم . وحكى القرطبي عن أبي خيثمة أنه منذ خلق اللّه تعالى آدم عليه الصلاة والسّلام إلى أن بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة . وقيل أكثر من ذلك ، وكان بينه وبين نوح ألف سنة . وعاش آدم تسعمائة سنة وكان الناس في زمانه أمة واحدة مستمسكين بالدين الحق تصافحهم الملائكة وداموا على ذلك إلى أن رفع إدريس عليه الصلاة والسّلام فاختلفوا قال : وهذا فيه نظر لأن إدريس بعد نوح على الصحيح . وقيل : إن الناس كانوا أمة واحدة متفقة على الكفر ، وهو قول ابن عباس رضي اللّه عنهما وعطاء والحسن . قال الحسن وعطاء : كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح عليهما الصلاة والسّلام أمة واحدة على ملة الكفر أمثال البهائم فبعث اللّه نوحا وغيره من النبيين . ويحتمل أن يكون المراد بكونهم أمة واحدة كونهم متفقين في الخلو عن الشرائع والجهل لولا أن اللّه تعالى منّ عليهم بالرسل تفضلا منه . فعلى هذا يكون قوله تعالى :كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةًغير مختص بالماضي فقط بل يكون للاستمرار كما في قوله تعالى :وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً *آيات كثيرة . قوله : ( أو النبي المبعوث ) أي أنزل معهم الكتاب ليحكم كل واحد منهم بكتابه . قوله : ( أو كتابه ) إسناد الحكم إلى الكتاب مجاز لأن الحاكم في الحقيقة هو اللّه تعالى والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحكم بما في كتاب اللّه تعالى ، والكتاب حاكم باعتبار كونه كاشفا لوجه حكم اللّه تعالى مشتملا على بيانه . قوله تعالى :مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُيقتضي أن يكون إيتاء اللّه تعالى إياهم الكتاب كان بعد مجيء البينات فتكون هذه البينات مغايرة لا محالة للكتاب المنزل ولا يمكن حملها على شئ سوى الدلائل العقلية التي نصبها اللّه تعالى على إثبات الأصول التي لا يمكن