تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
بجعلها سبب الضلالة وازدياد الرجس أو بالتحريف والتأويل الزائغ .
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ
بعدما وصلت إليه وتمكن من معرفتها . وفيه تعريض بأنهم بدّلوها بعدما عقلوها . ولذلك قيل : تقديره فبدّلوها ومن يبدّل .
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
( 211 ) فيعاقبه أشدّ عقوبة لأنه ارتكب أشدّ جريمة .
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا
حسّنت في أعينهم وأشربت محبّتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها . والمزيّن على الحقيقة هو اللّه تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله ، ويدلّ عليه قراءة زيّن على البناء للفاعل . وكلّ من الشيطان والقوّة الحيوانية وما خلقه اللّه فيها من الأمور البهيميّة والأشياء الشّهويّة مزين بالعرض .
وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
يريد فقراء المؤمنين كبلال وعمّار وصهيب أي يسترذلونهم أو يستهزؤون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى . و « من » للابتداء كأنهم جعلوا مبدأ السخرية منهم .
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
لأنهم في عليين وهم في أسفل السافلين ، أو لأنهم في كرامة وهم في مذلّة ، أو لأنهم يتطاولون عليهم فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا . وإنما قال : والذين اتّقوا ، بعد قوله : من الذين آمنوا ليدلّ على أنهم متقون وأن استعلاءهم للتقوى .
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
في الدارين .
شرح
التبديل تصيير الشيء على غير ما كان عليه ومن لم يعتبر بآيات اللّه تعالى التي هي أسباب الهدى بل جعلها مؤدية إلى الهلاك والردى فقد بدل نعمة اللّه وصيرها على غير ما كانت عليه . قوله : ( حسنت في أعينهم ) أنّث الفعل لإسناده إلى ضمير الحياة وذكرزُيِّنَحيث لم يقل « زينت » لكونه مسندا إلى لفظ المؤنث الغير الحقيقي لأن معنى الحياة والعيش والبقاء واحد ، فكأنه قيل : زين للذين كفروا العيش والبقاء لا سيما أنه قد فصل بين زيّن وبين الحياة الدنيا بقوله :لِلَّذِينَ كَفَرُوا[ البقرة : 212 ] وإذا فصل بين الفعل المؤنث وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل لأن الفاصل يغني عن تاء التأنيث وجيء بقوله : « زين » ماضيا دلالة على أن ذلك قد وقع وفرغ منه وبقوله : « ويسخرون » مضارعا دلالة على التجدد والحدوث . قوله : ( لأنهم في عليين ) على أن يكون فوق ظرف مكان حقيقة وقوله أو لأنهم في كرامة مع قوله أو لأنهم يتطاولون مبني على أن تكون الفوقية مجازا إما بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في الآخرة ونعيم الكافرين في الدنيا ، وإما باعتبار أن سخرية المؤمنين بهم في الآخرة فوق سخرية الكفار بهم في الدنيا و « يوم » منصوب بالاستقرار الذي تعلق به فوقهم .