بِغَيْرِ حِسابٍ
( 212 ) بغير تقدير فيوسّع في الدنيا استدراجا تارة وابتلاء أخرى .
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
متّفقين على الحق فيما بين آدم وإدريس أو نوح أو بعد الطّوفان ، أو متفقين على الجهالة والكفر في فترة إدريس أو نوح .
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
أي فاختلفوا فبعث اللّه . وإنما حذف لدلالة قوله : فيما اختلفوا فيه . وعن كعب : الذي علمته من عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا والمرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون .
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ
يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتابا يخصّه ، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصّهم وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم .
بِالْحَقِّ
حال من
شرح
قوله : ( بغير تقدير ) لأنه تعالى لا يتجاوز في عطاياه إلى ما يخاف به النفاد إذ اللّه تعالى لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم مقدار ما يعطي كي لا يتجاوز في عطاياه إلى ما يخاف به النفاد واللّه تعالى غني لا نهاية لمقدوراته .
قوله تعالى :كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةًلما بيّن في الآية المتقدمة أن سبب إصرار الكفار على كفرهم هو حب الدنيا بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان بل كان حاصلا في الأزمنة المتقادمة فإنهم كانوا أمة واحدة مجتمعة على الحق ، ثم اختلفوا وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا . قال القفال : الأمة القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض وهو مأخوذ من الائتمام . دلت الآية على أن الناس كانوا أمة واحدة ولكنها ما دلت على أنهم أكانوا متفقين في الحق أم في الباطل ؟ فذهب كثير من محققي المفسرين إلى أنهم كانوا متفقين في الإيمان واتباع الحق بدليل ما بعده وهو قوله تعالى : بعثاللَّهُالنبيين فثبت أن قوله تعالى فبعث اللّه يقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف وذلك يستلزم أن يكون الناس قبل الاختلاف متفقين على الحق إذ لو كانوا قبل الاختلاف متفقين على الكفر لكانت بعثة الرسل قبل الاختلاف أولى لأنهم لما بعثوا وبعض الأمة محق وبعضهم مبطل فلان ، يبعثوا عند كون الجميع على الكفر أولى .
وأيضا فإن آدم عليه الصلاة والسّلام لما بعثه اللّه تعالى رسولا إلى أولاده كانوا مسلمين مطيعين للّه تعالى ولم يحدث فيما بينهم اختلاف في الدين إلى أن قتل قابيل هابيل بسبب الحسد والبغي . وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر والآية ناطقة به كما حكى اللّه تعالى عن ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر فأدى ذلك إلى قتل أحدهما الآخر ، ولم يكن ذلك القتل والكفر باللّه إلا بسبب البغي والحسد . قال الكلبي : الناس الذين كانوا أمة واحدة هم أهل سفينة نوح عليه الصلاة والسّلام فإنه لما غرقت الأرض في زمان