هَلْ يَنْظُرُونَ
استفهام في معنى النفي ولذلك جاء بعده .
إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ
أي يأتيهم أمره أو بأسه كقوله تعالى : أو يأتي أمر ربّك
فَجاءَها بَأْسُنا
شرح
بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسئ فلا يحسن من الحكيم تعذيب المحسن كما لا يحسن منه إكرام المسئ وإثابته بل عكس هذا أليق بالحكيم وأقرب إلى الرحمة .
قوله : ( استفهام في معنى النفي ) أي ما ينتظر من يترك الدخول في السلم ويتبع خطوات الشيطان إلا أن يأتيهم عذاب اللّه أوامر اللّه فحذف المضاف . ومثله قوله تعالى :فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا[ الحشر : 2 ] أي عذابه و« يَنْظُرُونَ »بمعنى ينتظرون يقال : نظرته وانتظرته ومنه قوله تعالى :انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ[ الحديد : 13 ] وقوله :فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ[ النمل : 35 ] . قوله تعالى :إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُمفعول« يَنْظُرُونَ »وهو استثناء مفرغ أي ما ينظرون إلا إتيان اللّه تعالى . قوله : ( أي يأتيهم أمره أو بأسه ) احتاج إلى تقدير المضاف لإجماع المفسرين من العقلاء على أنه تعالى منزه عن المجيء والذهاب المستلزمين للحركة والسكون وكل ذلك محدث ، فيكون كل ما يصح عليه المجيء والذهاب منه محدثا والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك . وأيضا كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان يكون جسما محدودا متناهيا في المقدار ويكون أحد جوانبه مغايرا للآخر يكون مركبا من الأجزاء فيكون في تحققه مفتقرا إلى تحقق كل واحد من أجزائه التي هي غيره ، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته محتاج في وجوده إلى المرجح الموجد فيكون محدثا مسبوقا بالعدم تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . فثبت أنه تعالى ليس بجسم ولا متحيز وأنه لا يصح عليه المجيء ولا الذهاب وإذا ثبت أنهما محال على اللّه تعالى علمنا قطعا أن مراد اللّه تعالى في هذه الآية ليس المجيء والذهاب وأن مراده بذلك شيء آخر ، فإن عينا الأمر لم نأمن من الخطأ فالأولى السكوت عن التأويل وتفويض معنى هذه الآية على التفصيل إلى اللّه تعالى . وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : نزل القرآن على أربعة أوجه : وجه لا يعرفه أحد لجهالته ، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه ، ووجه يعرف من قبيل العربية فقط ، ووجه لا يعلمه إلا اللّه تعالى . وذهب جمهور المتكلمين إلى أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل ثم ذكروا فيه وجوها منها : أن المراد ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم آيات الله ) فجعل مجيء الآيات مجيئا له تعالى تفخيما لشأن الآيات كما يقال : جاء الملك إذا جاء الجيش العظيم من جهته .
والمقام مقام الزجر والتهديد ومعلوم أن التهديد إنما يحصل بأن يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والبأس فإضمار أمثال ذلك مناسب لبلاغة القرآن وإعجازه . والأمر في اللغة كما يجيء بمعنى ضد النهي يجيء أيضا بمعنى الفعل والشأن والطريق ، قال اللّه تعالى :وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ[ القمر : 50 ]وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ[ هود : 97 ] وفي المثل : لأمر ما