فَإِنْ زَلَلْتُمْ
عن الدخول في السلم
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ
الآيات والحجج الشاهدة على أنه الحق
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
لا يعجزه الانتقام
حَكِيمٌ
( 209 ) لا ينتقم إلا بحق .
شرح
كتاب اللّه تعالى بيقين . فكره اللّه تعالى ذلك منهم وأمرهم بهذه الآية أن يدخلوا في السلم كافة بمعنى ادخلوا في شرائع الإسلام بكليتهم ولا تخلطوا بها غيرها ولا تتمسكوا بشيء من أحكام الكتب المتقدمة بعد أن عرفتم أنها صارت منسوخة . فيكون « كافة » حالا من ضمير ادخلوا في السلم أي كافين ومانعين أنفسكم من خلط ما ليس من أحكام الإسلام به فإن « كافة » وإن جعل اسما لجملة الجماعة . إلا أنه في الأصل اسم فاعل بمعنى المانعة يقال : كففت فلانا عن السوء أي منعته عنه وإن كان الخطاب لأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه يصح أن يخاطبوا بيا أيها الذين آمنوا بناء على أنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم يكون السلم بمعنى الإسلام ويكون « كافة » حالا منه فيكون المعنى ما ذكره بقوله : « ادخلوا في شرائع اللّه كلها بالإيمان بجميع الأنبياء والكتب » وذلك إنما يكون بالإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبكتابه . وإن كان الخطاب للمسلمين الذين آمنوا بالألسنة والقلوب يكون المراد تكليفهم بالدخول في جميع شعب الإسلام وأحكامه وأن لا يخلوا بشيء منها . والخطوات جمع خطوة بالضم والسكون وهي ما بين القدمين أي لا تسلكوا مسالكه ولا تطيعوه فيما دعاكم إليه من السبل الزائغة والوساوس الباطلة . قرأ الجمهور « فإن زللتم » بفتح اللام الأولى وقرىء بكسرها وهما لغتان . والزلل في الأصل عثرة القدم يقال : زلت قدمه تزل زلا وزللا وزلولا إذا زلقت . ثم يستعمل في العدول عن الاعتقاد الحق والعمل الصائب . فقوله :فَإِنْ زَلَلْتُمْأي أخطأتم الحق وتعديتموه علما كان أو عملا . واختلف في الزلل عن الدخول في السلم على حسب اختلافهم في تعيين المخاطب بقوله :ادْخُلُوا فِي السِّلْمِفمن قال إنه نزلت في المنافقين فكذا هذه الآية ، ومن قال إنه نزلت في أهل الكتاب فكذا هذه الآية ، وقس الباقي عليه . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : فإن زللتم في تحريم السبت ولحم الإبل من بعد ما جاءتكم البينات - يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وشرائعه - فاعلموا أن اللّه عزيز في انتقامه لا تعجزونه حكيم فيما شرع لكم من دينه ولا ينتقم إلا بحق وروي أن قارئا قرأ فاعلموا أن اللّه غفور رحيم . فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال : إن كان هذا كلام اللّه فلا يقول كذا لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه . وفي الآية تهديد بليغ لأهل الزلل عن الدخول في السلم . فإن الوالد إذا قال لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي وشدة سطوتي لأهل المخالفة يكون قوله هذا أبلغ في الزجر من ذكر الضرب وغيره . وكما أنها مشتملة على الوعيد منبئة عن الوعد أيضا من حيث إنه تعالى اتبعه بقوله :حَكِيمٌفإن اللائق