وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ
كبّروه في إدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها في أيّام التشريق .
فَمَنْ تَعَجَّلَ
فمن استعجل النفر
فِي يَوْمَيْنِ
يوم القرّ والذي بعده ، أي فمن نفر في ثاني أيام التشريق بعد رمي الجمار عندنا ،
شرح
والعقاب . قالوا : ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وما عليه فإطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون من باب إطلاق اسم السبب على المسبب وهو مجاز مشهور . ونقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي اللّه تعالى يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم : هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها ، ثم يعطون كتب حسناتهم ويقال لهم : هذه حسناتكم قد ضاعفتها لكم .
وثانيها أن المحاسبة عبارة عن المجازاة ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والعطاء وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز غير شائع . والثالث أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب فمن قال إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال :
إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعا يسمع به كلامه القديم كما أنه يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة المنزهة عن مشابهة الأمثال ومن قال إنه صوت قال : إنه تعالى يخلق كلاما يسمعه كل مكلف ثم إن ذلك الكلام لا يخلو إما أن يخلقه اللّه تعالى في أذن كل واحد منهم أو في جسم بقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلف به . هذا ما قيل في معنى كونه تعالى محاسبا لخلقه . واللّه أعلم .
قوله : ( في أيام التشريق ) متعلق بمحذوف مجرور على أنه صفة للصلاة . وذبح القرابين ورمي الجمار أي الواقعة في أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أولها يوم القر وهو الحادي عشر من ذي الحجة تستقر الناس فيه بمنى ، والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى ، والثالث يوم النفر الثاني وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة آخر أيام التشريق ، وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر أيام رمي الجمار وأيام التكبير إدبار الصلوات وسميت معدودات لقلتهن كقوله :دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ[ يوسف : 20 ] أي قليلة قال اللّه تعالى في سورة الحج :وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ[ الحج : 28 ] قال أكثر أهل العلم : الأيام المعلومات عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر ، والمعدودات هي أيام التشريق .
قوله : ( فمن استعجل ) على أن يكون تعجل بمعنى استعجل مثل تكبر واستكبر . قوله : ( فمن نفر في ثاني أيام التشريق الخ ) اعلم أن الفقهاء قالوا : إنما يجوز التعجل في اليومين لمن رمى اليوم الثاني وتعجل قبل غروب الشمس من اليومين وإذا غربت الشمس من اليوم الثاني قبل النفر فليس له أن ينفر إلا في يوم الثالث أي لزمه المبيت في منى والرمي فيه ، لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب اليوم وإنما جعل له التعجل في اليومين لا في الثالث . وهذا مذهب