آبائكم ، أو بمضمر دلّ عليه المعنى تقديره أو كونوا أشدّ ذكرا للّه منكم لآبائكم .
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ
تفصيل للذاكرين إلى مقلّ لا يطلب بذكر اللّه إلا الدنيا ومكثر يطلب به خير الدارين ، والمراد الحثّ على الإكثار والإرشاد إليه .
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا
اجعل إيتاءنا ومنحتنا في الدنيا .
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
( 200 ) أي نصيب حظّ لأن همّه مقصور بالدنيا أو من طلب خلاق .
شرح
والفعل قد يوجد مبنيا للفاعل نحو : إن ذكر أو أن يذكر وقد يوجد مبنيا للمفعول نحو : إن ذكرا وأن يذكر . إذا تقرر هذا فنقول يحتمل أن يكون قوله : « أو أشد » منصوبا بالعطف على« آباءَكُمْ »فيكون« ذِكْراً »بمعنى مذكورية . والمعنى : كذكركم قوما أشد مذكورية لكم من آبائكم . قوله : ( أو بمضمر ) أي أو هو منصوب بفعل المقدر حذف اعتمادا على دلالة المقام عليه ، والتقدير ما ذكر المصنف . ويحتمل أن يكون التقدير أو اذكروه ذكرا أشد من ذكركم لآبائكم فيكون أشد منصوبا على أنه نعت للمصدر المحذوف مع عامله . ولو قيل في وجه انتصابه أنه معطوف على محل الكاف في كذكركم بناء على أنها صفة مصدر محذوف تقديره ذكرا كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا لكان له وجه إلا أنه يستلزم أن يجعل الذكر ذاكرا مجازا كقولهم : شعر شاعر .
قوله : ( إلى مقلّ لا يطلب بذكر اللّه إلا الدنيا ) حصر المقل في طالب الدنيا فقط مع أن المقل يصدق على طالب الآخرة فقط أيضا لأن طالب الآخرة فقط بحيث لا يحتاج إلى طلب حسنة من الدنيا لا يوجد في الدنيا والمقصود من تقسيم الإنسان ضبط أقسامه الداخلة تحت الوجود لا ضبط الأقسام المحتملة عقلا . أو لأن طالب الآخرة فقط بحيث لا يحتاج إلى طلب حسنة في الدنيا أعز وأشرف من أن يقال له إنه طالب المقل لعزة أمر الآخرة ونفاسة مطالبها . وقيل : لأن ذلك ليس بمشروع لأن الإنسان ضعيف لا طاقة له بأمر الدنيا فلا بد له من الاستعانة عليها ورد بأن عدم المشروعية في طالب الدنيا فقط أشد . وأيضا من يتكلم على الحصر إنما ينظر إلى وجود القسمين لا إلى مشروعيتهما فالأولى أن يقال فسره بذلك لكونه على وفق الوجود . قوله : ( اجعل إيتاءنا ومنحتنا في الدنيا ) إشارة إلى أن المفعول الثاني « لآتنا » متروك لا محذوف فإن فعل الإيتاء يتعدى إلى اثنين ثانيهما غير الأول ، لأنه من باب أعطى ولم يذكر مفعوله الثاني تنزيلا له منزلة اللازم بالنسبة إلى مفعوله الثاني للإشارة إلى أن هم أهل الدنيا هو الدنيا نفسها ، بخلاف أهل البصائر فإن همهم الحسنة المتعلقة بالدارين .
قوله : ( أو من طلب خلاق ) مبني على قول من ذهب إلى أن الذي يقتصر في الدعاء على طلب الدنيا قد يكون من المؤمنين فإنه يقع منه أن يسأل اللّه تعالى لدنياه لا لآخرته ويكون سؤاله هذا ذنبا لأنه سأل ربه الكريم في أعز المواقف أحقر المطالب وأعرض عن سؤال