دفعتم منها بكثرة ، من أفضت الماء إذا صببته بكثرة وأصله أفضتم أنفسكم فحذف المفعول كما حذف في دفعت من البصرة . وعرفات جمع سمي به كأذرعات ، وإنما نوّن وكسر وفيه العلمية والتأنيث لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة لا تنوين التمكن ، ولذلك يجمع مع اللام وذهاب الكسرة تبع ذهاب التنوين من غير عوض لعدم الصرف وهنا ليس كذلك . أو لأنّ التأنيث إما أن يكون بالتاء المذكورة وهي ليست تاء تأنيث وإنما هي مع
شرح
سأل رجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عما سألت فلم يرد عليه حتى نزل قوله تعالى :لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْفدعاه فقال له : أنتم حجاج . وبالجملة هذه الآية نزلت ردا على من يقول لا حج للتاجر والجمال . والحق أن التجارة وإن كانت مباحة في الحج إلا أن الأولى تركها فيه لقوله تعالى :وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[ البينة : 5 ] والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه طاعة وعبادة .
قوله : ( دفعتم منها ) يعني أن إفاضة الشيء في الأصل دفعه حتى يتفرق . يقال : فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب ما فيه من نواحيه ورجل فياض أي سيال العطاء منبسط اليدين والإفاضة الاندفاع في السير بكثرة . ومنه يقال : أفاض البعير بجرّته إذا دفع بها وألقاها منبثة والهمزة في أفضتم فيها وجهان : أحدهما أنها للتعدية فيكون مفعوله محذوفا تقديره أفضتم أنفسكم وهو مذهب الزجاج وتبعه الزمخشري والمصنف ، وقدره الزجاج فقال : معناه دفع بعضكم بعضا . وثانيهما أن افعل هذا بمعنى فعل فلا مفعول له . وفي التيسير : وحقيقة الإفاضة هنا هو اجتماع الكثير في الذهاب والمسير . قوله : ( وعرفات جمع ) أي جمع عرفة بحسب اللفظ والصيغة وليس بجمع حقيقة إذ لم يستعمل إلا علما ولم يوجد له واحد .
وعرفة ليس واحد العرفات لأن مدلولها واحد إذ ليس ثم أماكن متعددة كل منها عرفة حتى يقال إنها جمعت على عرفات . قوله : ( لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة ) يريد أن تنوين جمع المؤنث السالم مقابل وعوض لنون جمع المذكر السالم فتنوين مسلمات مقابل لنون مسلمين ، ثم جعل كل تنوين في مثل هذا الجمع وإن لم يكن له جمع مذكر تنوين المقابلة طرد اللباب فإذا ثبت أن تنوين عرفات ليس تنوين التمكن جاز دخوله على غير المنصرف ، فإن عرفات غير منصرف للعلمية والتأنيث ، عند البعض ومنهم المصنف ، وإنما كسر في موضع الجر للأمن بهما من تنوين التمكن كما يكسر غير المنصرف حال الإضافة أو دخول اللام لحصول الأمن بهما من تنوين التمكن . وهذا معنى قول المصنف : « وذهاب الكسرة تبع ذهاب التنوين من غير عوض لعدم الصرف وههنا ليس كذلك » فإن تنوين التمكن وإن ذهب في عرفات من غير عوض وهو اللام والإضافة لكن ليس ذهابه لعدم الصرف بل إنما ذهب لامتناع اجتماعه مع تنوين المقابلة . قوله : ( أو لأن التأنيث الخ ) جواب ثان عن قوله وإنما نون وكسر وفيه