وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
حثّ على الخير عقيب النهي عن الشر ليستبدل به ويستعمل مكانه .
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
وتزودوا لمعادكم التقوى فإنه خير زاد . وقيل : نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزوّدون ويقولون :
نحن متوكلون ، فيكونون كلا على الناس . فأمروا أن يتزودوا ويتقوا الإبرام في السؤال والتثقيل على الناس .
وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
( 197 ) فإن قضية اللبّ خشية اللّه وتقواه ، حثهم على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو اللّه تعالى فيتبرأوا من كل شيء سواه وهو مقتضى العقل المعرّى عن شوائب الهوى فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب .
شرح
حملا الأولين على النهي والثالث على النفي مع جواز حمل الكل على النهي أو النفي ؟
أجيب بأن العرب في وقت الحج اختلفوا في مكان الوقوف فكان المناسب للمقام أن يكون الأولان بمعنى النهي ويكون الثالث إخبارا محضا وليس الوجه لحملهما على النهي إلا رعاية المناسبة للمقام وإلا فيجوز أن يقرأ« فَلا رَفَثَ »« وَلا فُسُوقَ »« وَلا جِدالَ »بفتح الجميع على الإخبار تنبيها على أن كل واحد منها يجب أن لا يقع كأنها منفية في نفسها كما هي قراءة الجمهور .
قوله : ( حثّ على الخير ) من حيث إن علم اللّه تعالى بما يفعله العبد من الخير كناية عن إثابته عليه فكان هذا وعدا له بالثواب العظيم ولو قال ذلك لعبده المذنب كان إيعادا له بالعذاب الشديد . والظاهر أن لفظ الخير في قوله :مِنْ خَيْرٍ[ البقرة : 197 ] يتناول كل خير على سبيل البدل ويدخل فيه دخولا أوليا أضداد ما نهوا عنه فيكون حثا على الأضداد المخصوصة في ضمن الحث على مطلق الخير فيتضح ترتيب قوله : « ليستبدل به » ويستعمل مكانه أي ليستبدل الخير بالشر ويستعمل الخير مكان الشر ، بأن يستعمل مكان القبيح من الكلام الحسن ومكان الفسوق البر والتقوى ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الحميدة .
قوله : ( وتزوّدوا لمعادكم التقوى ) حذف المفعولان الصريح وغير الصريح لدلالة المقام وما بعد الكلام عليه . وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران سفر في الدنيا وسفر من الدنيا . أما السفر في الدنيا فلا بد له من زاد وهو الطعام والشراب والمركب والمال ، وأما السفر من الدنيا فلا بد له أيضا من زاد وهو معرفة اللّه تعالى ومحبته والإعراض عما سواه بالاشتغال في طاعته واجتناب مخالفته ومناهيه . وهذا الزاد خير من زاد المسافر في الدنيا لوجوه منها : أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة من شوائب المضرة وغير ذلك مما لا يخفى على من يتأمل في أحوال الدنيا والآخرة ، فلذلك قال تعالى :« فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوىفاشتغلوا