حقيقة بأن لا تكون وما كانت منها مستقبحة في أنفسها ففي الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة والتطريب بقراءة القرآن لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأوّلين بالرفع على معنى لا يكونن رفث ولا فسوق ، والثالث بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف في الحج وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام فارتفع الخلاف بأن أمروا بأن يقفوا أيضا بعرفة .
شرح
المراد منه بعض أنواع المعصية وهي السباب احتجاجا بقوله تعالى :وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ[ الحجرات : 11 ] وبقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر » وقيل : المراد منه الإيذاء قال تعالى :وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ[ البقرة : 282 ] والجدال فعال بمعنى المجادلة والمخاصمة ، قال ابن مسعود والحسن : هو الجدال الذي يخاف معه الخروج إلى السباب والتكذيب والتجهيل . وهذه الأمور وإن كانت قبيحة واجبة الاجتناب في كل حال إلا أنها في حال الحج أقبح وأشنع كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن . وفي الحواشي القطبية : التطريب المنهي عنه ما يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ في المجالس من الألحان العجيبة ، وأما تحسين القراءة ومدها فهو مندوب إليه . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا » . والأفعال الثلاثة وإن كانت خبرا على صورة النفي بمعنى أن شيئا منها لا يقع في خلال الحج إلا أنه المراد بها النهي لأن إبقاءها خبرا على ظاهرها يستلزم الخلف في خبر اللّه للعلم بأن هذه الأشياء كثيرا ما تقع في خلال الحج ، وإنما أخرجت على صورة الإخبار للمبالغة في وجوب الانتهاء عنها كان المكلف أذعن كونها منهيا عنها فاجتنب عنها فاللّه تعالى يخبر بأنها لا توجد في خلال الحج ولا يأتي بها أحد منكم . قوله : ( وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأولين بالرفع ) أي مع تنوينهما على أن يكون المرفوع فاعل فعل مضمر دخل عليه لا للنهي والمعنى والتقدير لا يكن رفث ولا فسوق . قوله : ( والثالث بالفتح ) أي بفتح لام« وَلا جِدالَ »على أنه اسم « لا » التي لنفي الجنس بني على الفتح . ثم إن مجموع « لا » واسمها هل هو في موضع الرفع بالابتداء إن كانت « لا » عاملة في الاسم النصب على الموضع ولا خبر لها أوليس المجموع في موضع الابتداء بناء على أن « لا » عاملة في الاسم النصب على الموضع وما بعدها خبر لها لأنها أجريت مجرى « إن » في نصب الاسم ورفع الخبر ؟
فيه قولان : الأول قول سيبويه والثاني قول الأخفش . وعلى هذين المذهبين يترتب الخلاف في قوله :فِي الْحَجِّفعلى مذهب سيبويه يكون في موضع خبر المبتدأ ، وعلى رأي الأخفش يكون في موضع خبر « لا » . وعلى القولين يكون معنى الكلام الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل : لا شك ولا خلاف في الحج . فإن قيل : ما بال ابن كثير وأبي عمرو