لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا
أي في أن تبتغوا أي تطلبوا
فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
عطاء ورزقا منه ، يريد الربح بالتجارة . قيل : كان عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يقيمونها مواسم الحجّ وكانت معايشهم منها فلما جاء الإسلام تأثموا منه فنزلت
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
شرح
بتقواييا أُولِي الْأَلْبابِ »يعني إن كنتم من أولي الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور فاختاروا ما هو خير وأبقى . قال الأعشى :إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزوداندمت على أن لا تكون كمثله * وأنك لم ترصد كما كان أرصداولب الشيء ولبابه هو الخالص منه . واختلفوا في لب الإنسان ما هو ؟ فقال بعضهم :
إنه اسم للعقل لأنه أشرف ما في الإنسان وبه يتميز عن البهائم ويقرب من درجة الملائكة .
وقال آخرون : إنه في الأصل اسم للقلب الذي هو محل للعقل . فإن قيل : إذا كان لا يصح إلا خطاب العقلاء كان وجوبها عليكم أثبت وإعراضكم عنها أقبح فما فائدة قوله :يا أُولِي الْأَلْبابِ ؟فالجواب معناه أنكم لما كنتم من أولي الألباب تمكنتم من معرفة هذه الأشياء والعمل بها فكان وجوبها عليكم أثبت وإعراضكم عنها أقبح . ولهذا قال الشاعر :ولم أر في عيوب الناس شيئا * كنقص القادرين على الكمالقوله : ( في أن تبتغوا ) أي إن « أن تبتغوا » في محل جر بإضمار حرف الجر وهو متعلق « بجناح » لما فيه من معنى الفعل وهو الجنوح والميل عن القصد أو بالظرف الواقع خبر « ليس » أو بمحذوف هو صفة لجناح أي جناح كائن في كذا فيكون في محل الرفع لأنه صفة لجناح . قوله : ( فلما جاء الإسلام تأثموا منه ) أي تباعدوا وتجنبوا عنه زعما منهم بأن التجارة في أثناء الحج حرام من حيث إنها كثيرا ما تفضي إلى المنازعة والجدال في الإيفاء والاستيفاء . وقد منع اللّه تعالى عن الجدال في الحج في الآية المتقدمة ولأن الحج عبادة محضة فينبغي أن لا يشوبه الأطماع الدنيوية ومقتضيات الطبايع والعادات كالصلاة فإن المصلّي ما لم يفرغ من صلاته يحرم عليه الاشتغال بالمباحات ، فينبغي أن يكون الأمر كذلك في الحج فلهذه الشبهة تجنبوا عن الاشتغال بالتجارة عند الاشتغال بأعمال الحج فبيّن اللّه تعالى أنه لا جناح في التجارة وابتغاء الربح في الحج . ويؤيد هذا التفسير ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قر آإن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج وما روي عن ابن عمر رضي اللّه عنه أن رجلا قال له : إنّا قوم نكري جمالنا للحجاج وإن قوما يزعمون أن لا حج لنا . قال : ألستم تلبون ؟ ألستم تطوفون ؟ ألستم كذا ؟ ألستم كذا ؟ قال : بلى . قال :