فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
منعتم . يقال : حصره العدوّ وأحصره إذا حبسه ومنعه من المضيّ مثل صدّه وأصدّه . والمراد حصر العدو عند مالك والشافعي رحمهما اللّه تعالى لقوله تعالى :
فَإِذا أَمِنْتُمْ
[ البقرة : 196 ] ولنزوله في الحديبية ولقول ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : لا حصر إلّا حصر العدوّ . وكلّ منع من عدوّ أو مرض أو غيرهما عند أبي
شرح
العمرة تشتمل على هذه الأمور الثلاثة وفائدة التخصيص بقوله :لِلَّهِهنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر وحضور الأسواق وكل ذلك ليس فيه طاعة ولا قربة فأمر اللّه تعالى بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه . والجمهور على نصب العمرة بالعطف على ما قبلها ولِلَّهِمتعلق « بأتموا » واللام لام المفعول من أجله ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من الحج والعمرة ، والتقدير أتموهما كائنين للّه . وقرىء و « العمرة » بالرفع على المبتدأ و « للّه » الخبر على أنها جملة مستأنفة . واتفقت الأمة على أنه يجوز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أوجه : الإفراد والتمتع والقرآن . فالإفراد أن يحرم بالحج مفردا ثم بعد الفراغ منه يعتمر من الحل . والتمتع أن يعتمر في أشهر الحج فإذا فرغ من العمرة يحرم بالحج من مكة في عامه . والقرآن أن يحرم بالحج والعمرة معا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير قارنا ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة . واختلفوا في أي هذه الثلاثة أفضل . وتفاصيل هذه الأقوال مذكورة في كتب الفقه .
قوله : ( يقال حصره العدو وأحصره إذا حبسه ومنعه ) يعني أن أصل الحصر والإحصار هو الحبس والمنع وأن حكم الإحصار ثابت عند حصر العدو إنفاقا واختلف في ثبوته عند حبس المرض والخوف ونحوهما : فذهب أبو حنيفة إلى أنه ثابت بكل مانع يمنع عن المضي إلى أفعال الإحرام . وذهب الإمام الشافعي إلى أن حكم الإحصار لا يثبت إلا بحبس العدو .
وحجة أبي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللغة وذلك لأن أهل اللغة فريقان : أحدهما هو الذي يقول الإحصار مختص بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط ، قال ابن السكيت : يقال :
أحصره إذا منعه من السفر وعلى هذا المذهب تكون هذه الآية صريحا في أن إحصار المرض يفيد هذا الحكم . والفريق الثاني هو الذي يقول الإحصار اسم لمطلق الحبس سواء كان حاصلا بسبب العدو أو بسبب المرض وعلى هذا القول تكون حجة أبي حنيفة ظاهرة أيضا لأن اللّه تعالى علق الحكم على مسمى الإحصار فوجب أن يكون الحكم ثابتا عند حصول الإحصار سواء حصل بالعدو أو بالمرض . قال الفراء والزجاج والشيباني : أحصر وحصر بمعنى ، يقالان في المرض والعدو جميعا . وأنشد :وما هجر ليلى أن تكون تباعدت * عليك ولا أن أحصرتك شغول