فلا تعتدوا على المنتهين إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم فوضع العلّة موضع الحكم وسمي جزاء الظلم باسمه للمشاكلة ، كقوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
أو أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر عليكم . والفاء الأولى للتعقيب والثانية للجزاء .
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ
قاتلهم المشركون عام الحديبيّة في ذي القعدة واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه وكرهوا أن يقاتلوهم فيه لحرمته ، فقيل لهم : هذا الشهر بذاك
شرح
شيء دونه . قوله : ( فلا تعتدوا ) لما كان مقتضى الظاهر أن يقال : « فلا عدوان عليهم » وجه ما عليه النظم بوجهين : الأول أنه حذف نفس الجزاء وأقيم علته مقامه والعلة لما كانت مستلزمة للحكم كنى بها عنه ، كأنه قيل : فإن انتهوا فلا تعتدوا عليهم لأن العدوان مختص بالظالمين والمنتهون عن الظلم ليسوا بظالمين فلا عدوان عليهم . والوجه الثاني إنما يغاير الوجه الأول بمغايرة العلة الموضوعة موضع الحكم ، فإن قوله : « أو إنكم إن تعرضتم » الخ عطف على قوله « إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم » فيكون تعليلا آخر لقوله : « لا تعتدوا على المنتهين » والعدوان الظلم فإن أسلموا فلا تظلموهم بالنهب والأسر والقتل إذ لا عدوان إلا على الظالمين الذين ثبتوا على الشرك . قال تعالى :إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[ لقمان : 13 ] وسمي ما يفعل بالكفار عدوانا وظلما وهو في نفسه حق وعدل لكونه جزاء الظلم للمشاكلة كقوله تعالى :وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ[ الشورى : 40 ]فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ[ البقرة : 194 ]وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ[ آل عمران : 54 ] . قوله : ( وينعكس الأمر عليكم ) أي يسلط عليكم من يتعدى عليكم لظلمكم على من انتهى .
قوله تعالى :الشَّهْرُ الْحَرامُمبتدأ . و« بِالشَّهْرِ الْحَرامِ »خبره ولا بد من حذف مضاف أي انتهاككم حرمة الشهر الحرام وهو ذو القعدة من هذا العام بمقابلة انتهاك المشركين حرمة ذي القعدة من السنة الماضية سنة ست من الهجرة . فإن الصد وقع في سنة ست والقضاء وقع في سنة سبع ولما رجع صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه السنة لقضاء العمرة نزل قوله تعالى :الشَّهْرُ الْحَرامُمقابلة بمثله فافعلوا في هذا الشهر ما فاتكم في مثله من السنة الماضية ، ومن هتك حرمة الشهر وحرمة الحرم اقتص منه فإن مراعاة هذه المحرمات إنما تجب في حق من يراعيها . وأما من هتكها فإنه يقتص منه ويعامل بمثل فعله كأنه قيل : فإن منعوكم في هذه السنة عن قضاء العمرة بالمقاتلة ونحوها فاقتلوهم لقوله تعالى :فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْلأنه نتيجة لقوله :وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ .قوله : ( قاتلهم المشركون عام الحديبية ) قيل : فيه نظر ، لأن عام الحديبية لم يكن فيه قتال بل كان فيه صد على ما روي عن البخاري ومسلم . وأجيب بأن صاحب الكشاف قال في سورة الفتح : لم