وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى
كانت الأنصار إذا أحرموا لم يدخلوا دارا ولا فسطاطا من بابه وإنما يدخلون ويخرجون من نقب أو فرجة وراءه ويعدّون ذلك برّا ، فبيّن لهم أنه ليس ببرّه إنما البرّ برّ من اتقى المحارم والشهوات . ووجه اتصاله بما قبله أنهم سألوا عن الأمرين أو أنه لما ذكر أنها مواقيت الحج وهذا أيضا من أفعالهم في الحج ذكره للاستطراد ، أو أنهم لما سألوا عما لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوة وتركوا السؤال عما يعنيهم ، ويختص بعلم النبوة بذكره جواب ما سألوه تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا أمثال ذلك ويهتموا بالعلم بها . أو أن المراد به التنبيه على تعكيسهم السؤال بتمثيل حالهم بحال من ترك باب البيت ودخل من ورائه .
والمعنى وليس البرّ أن تعكسوا مسائلكم ولكن البرّ برّ من اتقى ذلك ولم يجسر على مثله .
شرح
منزلة التغاير في الذات . فإن الحج من حيث إنه يراعى في أدائه وقضائه الوقت المعلوم بخلاف سائر العبادات التي لا يعتبر في قضائها وقت معين كذلك كان له مزية اختصاص بالتوقيت بالأهلة فخصه بالذكر تنبيها على هذا المعنى .
قوله : ( كانت الأنصار إذا أحرموا ) سواء كان إحرامهم ذلك بحج أو عمرة لم يدخلوا دارا ولا فسطاطا من بابه حتى يحلوا من إحرامهم ويقولون : لا ندخل بيوتا من بابها حتى ندخل بيت اللّه تعالى . فإن كانت بيوتهم مبنية من الحجر والمدر نقبوا نقبا في ظهر بيوتهم منه يدخلون ويخرجون أو يتخذون سلما يصعدون به سقف بيوتهم ومنه ينحدرون إليها ، وإن كانت بيوتهم من قبيل الخيمة والخباء رفعوا ذيولها مما يقابل الباب فدخلوا وخرجوا من تلك الفرجة . قوله : ( ووجه اتصاله بما قبله ) أي مع أنه لا تظهر المناسبة بين بيان الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل أمره وبين هذه القصة . وذكر لبيان المناسبة وجوها : الأول أنهم سألوا عن الأمرين ولم يذكر في سبب نزول الآية تقدم السؤال عن القوم حتى يقال : لما اتصل السؤال عن الأهلة بالسؤال عن إتيان المحرم بيته من ظهره أهو بر أم لا ؟ نزل جواب السؤال الثاني عقيب جواب السؤال الأول . ولعل المراد أنه لما اتفق وقوع السؤال عن الأهلة قصد وقوع القصة بالسؤال عنها للمشاكلة ، والوجه الثاني أن هذه القصة ذكرت عقيب بيان اختلاف أحوال الأهلة وكونه سببا لمعرفة دخول وقت الحج استطرادا لاشتراكهما في كونهما من الأمور المتعلقة بالحج والاستطراد أن يذكر عند سوق الكلام لغرض ما يكون له نوع تعلق به فلا يكون السوق لأجله . والوجه الثالث أن ذكر قوله :وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ[ البقرة : 189 ] الآية عقيب ذكر جواب ما سألوه من باب أسلوب الحكيم وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غير السؤال لينبهه على تعديه عن موضع السؤال الذي هو