ويجوز أن يريد بحدود اللّه محارمه ومناهيه .
كَذلِكَ
مثل ذلك التبيين .
يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
( 187 ) مخالفة الأوامر والنواهي .
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
أي ولا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الذي لم يبحه اللّه تعالى .
وبين نصب على الظرف أو الحال من الأموال .
وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ
شرح
والمصنف أجاب عنه بجوابين : تقرير الأول أن الأحكام المشار إليها بتلك تتناول الأوامر والنواهي والإباحات فإن قيل في حقها : ( لا تعتدوها ) فوجهه ظاهر لأن ما بيّنه اللّه تعالى لعباده من الأحكام هو الحق والتخطي عنه ضلال وباطل وماذا بعد الحق إلا الضلال ، وشأن الحكيم أن يرشد إلى الحق وينهى عن التجاوز عنه . ولذلك قال بعدما بين الأحكام الحقةفَلا تَعْتَدُوهاوأما قوله :فَلا تَقْرَبُوهافإن ذلك ظاهر على وجوب ترك تلك الحدود والأحكام من حيث إنه نهي عن قربانها إلا أن المقصود المبالغة في النهي عن التجاوز عنها .
فالمعنى لا تقربوا حدود أحكام اللّه وحدود ما أنزل اللّه فإن كل حكم من أحكام اللّه تعالى محدود له حد حاجز بين الحق الذي هو نفس ذلك الحكم والباطل الذي هو ما وراءه ، فإذا قرب المكلف حد الحكم قرب وقوعه في الباطل فنهي عن قربان الحد للمبالغة في النهي عن ملابسة الباطل وارتكابه . وأشار إلى الجواب الثاني بقوله : ويجوز أن يريد بحدود اللّه محارمه ومناهيه فلما أريد بالحدود في هذه الآية المناهي خاصة ظهر وجه النهي عن قربها وحيثما نهي عن التعدي عنها يراد بها الأوامر والتكاليف التي يحرم التعدي عنها فإن قيل : كيف يصح أن يراد بالحدود في هذه الآية المناهي خاصة ولم يسبق فيها إلا نهي واحد وهو قوله :وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَفكيف يصح أن يقال حدود اللّه بلفظ الجمع ؟ قلنا المراد أعم مما نهى عنه صريحا أو ضمنا . وآية الصيام قد تضمنت عدة أوامر والأمر بالشيء نهي عن ضده .
فبهذا الاعتبار قد سبق مناهي متعددة بعضها صريح وبعضها ضمني أطلق على الكل لفظ الحدود والمحارم ونهي عن قربانها . قال أبو البقاء : الفاء في قوله تعالى :فَلا تَقْرَبُوهاللعطف على مقدر تقديره أن تنتهوا بها فلا تقربوها . قوله : ( مثل ذلك التبيين ) إشارة إلى أن الكاف في محل النصب على أنه صفة مصدر محذوف أي بيانا مثل هذا البيان يبيّن اللّه على طريقة قولك : ضربا كاملا ضربت . ثم إنه تعالى لما بيّن أحكام الصوم على وجه الاستقصاء في هذه الألفاظ القليلة بيانا شافيا وافيا قال بعده مثل هذا البيان الوافي الواضحيُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِوالمراد بالآيات دلائل أحكام الدين ونصوصها والمقصود من تعظيم البيان تعظيم هدايته ورحمته على عباده في هذا البيان .
قوله : ( وبين نصب على الظرف ) فيتعلق بقوله :وَلا تَأْكُلُواومعنى كون الأكل بينهم وقوع التناول والتناقل لأجل الأكل بينهم . قوله : ( أو الحال من الأموال ) فيتعلق بمحذوف أي