تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 182 ) وعد للمصلح وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم ، وفيه توكيد للحكم وترغيب على الفعل
شرح
استعماله فيه أظهر ثم استعمل في الظن والعلم بالمحذور إلا أنه قد يتسع فيطلق على مطلق الظن والعلم ومنه قولك : أخاف أن ترسل السماء أي أظن أنها تمطر وليس إمطارها من قبيل المحذور . ومن مجيئه بمعنى العلم قول من قال :إذا متّ فادفني إلى جنب كرمة * تروي عظامي في الممات عروقهاولا تدفنني في الفلاة فإنني * أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقهافعلى هذا لا يكون معنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جنف فيها متعمدا فلا حرج على من علم ذلك أن يغيره ويجعله على وفق الحق بعد موته . والظاهر أن المراد بالمصلح هو الوصي لأنه أشد تعلقا بأمر الوصية إلا أنه لا وجه لتخصيصه بالوصي بل ينبغي أن يدخل تحته كل من يتأتى منه رفع الفساد الواقع في وصية الميت من الوالي والولي والوصي ومن يأمر بالمعروف والمفتي والقاضي والوارث ، فإذا جهل الوصي موضع الوصية أو زاد على مقدار الوصية أو أوصى بما لا يجوز إيصاؤه فعلم ذلك أحد هؤلاء المذكورين فأصلح بين الميت والورثة والموصى له فصرف المال إلى الموضع المشروع ونفذ الوصية في القدر المشروع فلا إثم عليه في هذا التبديل . فإن قيل : هذا المصلح أتى بطاعة عظيمة في إصلاح وصية المال فالمناسب لهذا المقام أن يعد اللّه تعالى له المثوبة المناسب لطاعته فكيف يليق به أن يقالفَلا إِثْمَ عَلَيْهِ[ البقرة : 182 ] ؟ أجيب بأنه تعالى لما ذكر إثم المبدل في أول الآية وكان هذا الإصلاح لا يخلو عن التبديل وكان مظنة لاستحقاق الإثم بذلك بيّن اللّه تعالى أن تبديل المصلح لا إثم عليه لكونه تبديل الباطل إلى الحق ثم وعد له بقوله :رَحِيمٌ .قوله : ( وذكر المغفرة الخ ) جواب لما يقال قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌإنما يليق بمن أتى بضد هذا الكلام . وتقرير الجواب أن المراد بذكر المغفرة هو الوعد بالإثابة إلا أنه أطلق عليه اسم المغفرة رعاية لصنعة الطباق ، وتسمى المطابقة والتضاد أيضا وهي الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة وهو من المحسنات المعنوية البديعية ولوقوعها في مقابلة فعل المصلح الذي هو من جنس ما يؤثم به وهو التبديل مع أن المصلح قل ما يخلو عن أقوال وأفعال كان الأولى تركها فنبه اللّه تعالى بذكر غفرانه على أنه تعالى إذا علم أن غرضه ليس إلا الإصلاح فإنه لا يؤاخذه بها فإنه غفور رحيم .