يُوصِيكُمُ اللَّهُ
[ النساء : 11 ] أو بإيصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى به عليهم .
بِالْمَعْرُوفِ
بالعدل فلا يفضّل الغنيّ ولا يتجاوز الثلث .
حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
( 180 ) مصدر مؤكد أي حق ذلك حقّا .
شرح
عَلَيْكُمْوكلا اللفظين ينبئ عن الوجوب ، ثم إنه تعالى أكد ذلك الإيجاب بقوله :حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَوهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال : هذه الآية صارت منسوخة ومنهم من قال : ما صارت منسوخة . وهذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني وتقرير قوله من وجوه : أحدها أن هذه الآية ما هي بمخالفة لآية المواريث ومعناها : كتب عليكم ما أوصى به اللّه من توريث الوالدين والأقربين ومن قوله :يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ[ النساء : 11 ] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفية ما أوصى به اللّه تعالى لهم وأن لا ينقص من أنصبائهم . وثانيها أنه لا منافاة بين توريث الأقرباء ووجوب الوصية لهم فإن الميراث عطية من اللّه والوصية عطية ممن حضره الموت والوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين . وثالثها لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية المواريث مخصصة لهذه الآية وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين مطلقا ثم آية المواريث تخرج القريب الوارث والقريب الذي لا يكون وارثا داخل تحت هذه الآية وذلك لأن من الوالدين من يرث ومنهم من لا يرث بسبب اختلاف الدين أو الرق أو القتل ، ومن الأقارب من لا يسقطون عن استحقاق الفرضية بأحد هذه الأسباب ومنهم من يسقط في حال ويرث في حال فمن كان من هؤلاء وارثا لم تجز الوصية له ومن لم يكن منهم وارثا صحة الوصية له . ومن قال : إنها مندوبة فلا تكون منسوخة بقوله :كُتِبَفإنه وإن كثر استعماله في الإيجاب فقد يقال أيضا في الندب لأن معنى « كتب » كمعنى طلب وشرع وذلك قد يكون ندبا وقد يكون وجوبا ولا يثبت الوجوب بالاحتمال لا سيما وكثير ممن قال بالوجوب قال أيضا بالندب وادعى أنها منسوخة بالحديث المذكور إذ لا وجه لحملها على الإيجاب ثم ادعاء نسخها .
قوله : ( مصدر مؤكد ) يؤكد مضمون الجملة المتقدمة فيكون عامله محذوفا أي حق ذلك حقا . فإن قيل : قوله :عَلَى الْمُتَّقِينَيقتضي أن يكون هذا التكليف مختصا بالمتقين وقد دل الإجماع على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين وغيرهم .
أجيب بأن المراد بقوله حقا على المتقين أنه لازم لكل من آثر التقوى وتحراها وجعلها طريقا له ومذهبا فيدخل فيه الكل . وقد مر أن ضمير « بدّله » يرجع إلى « الوصية » لكونها في تأويل الإيصاء والمشهور أن من يغير إيصاء المحتضر هو الوصي أو الشاهد فالوصي يغير الوصية إما في الكتاب وإما في قسمة الحقوق ، والشاهد يغير وجه الشهادة أو يكتمها . ويمكن أن يكون التبديل من سائر الناس بأن يمنعوا من وصول المال الموصى