الآخرة وقيل : في الدنيا بأن يقتل لا محالة لقوله عليه السّلام : « لا أعافي أحدا قتل بعد أخذه الدية » .
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
كلام في غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشيء محلّ ضدّه ، وعرّف القصاص ونكّر الحياة ليدلّ على أن في هذا الجنس من الحكم نوعا من الحياة عظيما وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل فيكون سبب حياة نفسين ، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل والجماعة بالواحد فتثور الفتنة بينهم ، فإذا اقتصّ من القاتل سلم الباقون ويصير ذلك سببا لحياتهم . وعلى الأول فيه إضمار وعلى الثاني تخصيص . وقيل : المراد بها الحياة الأخرويّة فإن القاتل إذا اقتصّ منه في الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة . ولكم في القصاص يحتمل أن يكونا خبرين لحياة وأن يكون أحدهما خبرا والآخر صلة له ، أو حالا من الضمير المستكن فيه . وقرىء في القصص أي فيما قصّ عليكم من حكم القتل حياة أو في القرآن حياة للقلوب .
يا أُولِي الْأَلْبابِ
ذوي العقول
شرح
قوله : ( من حيث جعل الشيء محل ضده ) فإن ضدية شيء لآخر تستلزم أن يكون تحقق أحدهما رافعا للآخر والقصاص لاستلزامه ارتفاع الحياة ضد لها وقد جعل ظرفا لها تشبيها له بالمظروف الحقيقي من حيث إن المظروف إذا حواه الظرف لا يصيبه ما يخل به ويفسده ولا هو يتفرق ويتلاشى بنفسه ، كذلك القصاص يحمي الحياة من الآفات فكان من هذا الوجه بمنزلة الظرف . ولا شك أن في جعل الضد حاميا لضده اعتبارا في غاية الحسن والغرابة التي هي من نكات البلاغة وطرقها . قوله : ( فيكون سبب حياة نفسين ) أي يكون حاميا لحياة من يقصد القتل ولحياة من قصد قتله فيكون سببا لحياة عظيمة أو لنوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل ، فإن حماية الحياة الحاصلة من تطرق الخلل إليها نوع من الحياة . قوله : ( وعلى الأول ) أي على أن يعلل أن في جنس القصاص نوعا عظيما من الحياة بقوله : « لأن العلم يردع القاتل » يكون قوله تعالى :وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌمبنيّا على الإضمار وتقديره ولكم في شرع القصاص حياة أي للقاتل والمقتول . وعلى الثاني أي على أن يعلل ذلك بقوله : « ولأنهم كانوا » إلى قوله : « ويصير ذلك سببا لحياتهم » يكون تخصيصا للحياة المسببة على قتل القاتل قصاصا بحياة غير القاتل لأن سلامة القتلى متفرعة على قتل القاتل . واتفق علماء المعاني على أن هذه الآية بلغت وجازة لفظها وكثرة معناها مع دقته واشتماله على الاعتبارات الغريبة إلى أرفع درجات الفصاحة والبلاغة وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة كقولهم : قتل البعض أحياء الجميع وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم : القتل أنفى للقتل . ثم إن لفظ القرآن أفصح وأبلغ من وجوه كثيرة