حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن ، واحتجت الحنفية به على أن مقتضى العمد القود وحده وهو ضعيف إذ الواجب على التخيير يصدق عليه أنه وجب وكتب ولذلك قيل : التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخا لوجوبه . وقرىء كتب على البناء للفاعل ، والقصاص بالنصب ، وكذا كل فعل جاء في القرآن .
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
أي شيء من العفو لأن عفا لازم وفائدته الإشعار بأن بعض العفو كالعفو التام في إسقاط القصاص . وقيل : عفي بمعنى ترك ، وشيء مفعول به وهو ضعيف إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه . وعفا يعدّى بعن إلى الجاني وإلى الذنب قال اللّه تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ
[ التوبة : 43 ] وقال :
عَفَا اللَّهُ عَنْها
[ المائدة : 101 ] فإذا عدّى به إلى الذنب عدّى إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية . كأنه قيل فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه يعني وليّ الدم وذكره بلفظ الأخوة
شرح
شرط الناسخ تأخره عن المنسوخ وإنما ينسخه ما يورد لبيان الحكم في شريعتنا ؟ قوله :
( واحتجت الحنفية به ) أي بقوله تعالى :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى[ البقرة : 178 ] على أن موجب العمد القود وحده فإن المراد بالقتلى الذين قتلوا عمدا لأن موجب الخطأ الدية لقوله تعالىوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً[ النساء : 93 ] الآية وليس لولي المقتول عمدا أن يأخذ الدية إلا برضى القاتل . وللإمام الشافعي رحمه اللّه فيه قولان : أحدهما أن موجبه القصاص إلا أن للولي أن يختار أخذ الدية بغير رضى القاتل ، وثانيهما أن موجب العمد القصاص أو الدية ويتعين ذلك باختيار الولي . قوله : ( قيل التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخا لوجوبه ) مبني على قوله الأول فإنه تعالى أوجب القصاص على خلاف القياس جزاء للاعتداء بمثله تشفيا لصدور الأولياء ، فإن القياس أن يكون موجب العمد وجوب المال ليكون جبر الحق ولي المقتول فيما فات عليه والقصاص لا يكون جابرا للفائت فشروع القود لحكمة التشفي لا ينفي الضمان الأصلي واختيار ولي الجناية إياه .
قوله : ( أي شيء من العفو ) يريد أن ارتفاع شيء على أنه قائم مقام فاعل عفى بنا على أنه في حكم المصدر أي في حكم قولك : عفا عفو فإن عفا وإن كان لازما لا يتعدى إلى المفعول به إلا أنه يتعدى إلى المفعول المطلق ، فيصح أن يقام مصدره مقام الفاعل كما في قوله تعالى :فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ[ الحاقة : 13 ] وكلمة « من » سواء كانت شرطية أو موصولة عبارة عن القاتل وضمير « له » و « أخيه » راجعان إلى « من » . وأخوه هو ولي الجناية وسماه أخا للقاتل استعطافا عليه وتنبيها على أن أخوة الإسلام قائمة بينهما ، وأن القاتل لم يخرج من الإيمان بقتله وعفو الجاني عبارة عن إسقاط موجب الجناية عنه وموجبها ههنا القصاص . فكأنه قيل : القاتل الذي عفي له عن جنايته من جهة أخيه الذي هو ولي المقتول