سوى اختصاص الحكم ، وقد بيّنا ما كان الغرض . وإنما منع مالك والشافعي رضي اللّه تعالى عنهما قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد غيره لما روى عليّ رضي اللّه تعالى عنه أن رجلا قتل عبده فجلّده الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ونفاه سنة ولم يقده به . وروي عنه أنه قال :
من السنّة أن لا يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد . ولأن أبا بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير نكير . وللقياس على الأطراف ومن سلّم دلالته فليس له دعوى نسخه بقوله :
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[ المائدة : 45 ] لأنه
شرح
المقتول . وتقرير الجواب أن الآية إنما تدل على مشروعية القصاص عند تحقق الموافقة بين القاتل والمقتول ذكورة وحرية ولا تدل بمفهومها على انتفاء القصاص عند اختلافهما بحسب الذكورة أو الحرية لأن القول بالمفهوم إنما هو على تقدير أن لا يظهر للتقييد فائدة سوى الدلالة على انتفاء الحكم عنه عند انتفاء القيد . وقد مرّ أن له فائدة سواها وهي إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه . وقد أشار صاحب التيسير إلى هذا المعنى حيث قال : قوله تعالى :الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثىيدل على أن يقتل الحر القاتل بالحر المقتول فلا يتعدى إلى غير القاتل ، وكذا العبد القاتل بالعبد المقتول والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة ، وليس فيه جريان القصاص بين الحر والعبد والذكر والأنثى بل فيه منع التعدي إلى غير القاتل . انتهى كلامه .
قوله : ( وللقياس على الأطراف ) فإن الحر إذا قطع طرف العبد لا يقطع طرف الحر اتفاقا عندنا ، فإن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال لأنها وقاية الأنفس كالأموال وموجب إتلاف المال هو الضمان لا غير ، وأما عند الإمام الشافعي فلما ذكر في الكافي وهو أن لا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس ولا بين الحر والعبد ولا بين العبدين خلافا للإمام الشافعي رحمه اللّه في جميع ذلك إلا في الحر فيقطع طرف العبد له لأن الأطراف تابعة الأنفس وشرع القصاص فيها من حيث الإلحاق بالأنفس ، ففي كل موضع جرى القصاص في النفس يجري في الأطراف . انتهى كلامه . إلا أن الاستدلال بقياس كل من الأنفس والأطراف على الآخر مصادرة فلا بد من إثبات حكم أحدهما بدليل مستقل حتى يصح أن يقال الآخر به . قوله : ( ومن سلم دلالته إلى آخره ) لما ذكر أن عدم قتل الحر بالعبد لا يستنبط من مفهوم قوله تعالى :الْحُرُّ بِالْحُرِّوإنما يستنبط من دليل آخر . شرع الآن في رد قول صاحب الكشاف وهو أن الآية وإن دلت على انتفاء القصاص عند عدم الموافقة بين القاتل والمقتول بحسب الذكورة والحرية إلا أنها منسوخة بالنص الدال على أن النفس تقتل بالنفس كيف ما كانت . ووجه الرد أن قوله :النَّفْسَ بِالنَّفْسِ[ المائدة : 45 ] حكاية لما في التوراة وقوله :الْحُرُّ بِالْحُرِّخطاب لنا وحكم في حقنا فكيف ينسخه ما ورد في حق من تقدمنا ومن