إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت وأمرهم أن يتباوأوا . ولا يدل على أن لا يقتل الحرّ بالعبد والذكر بالأنثى كما لا يدلّ على عكسه فإن المفهوم حيث لم يظهر للتخصيص غرض
شرح
هذه الآية أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتباوأوا ويتعادلوا من البوء وهو المساواة يقال : باء فلان بفلان أي صار كفؤا له ويقال : تبوأت القتلى أي تساوت فقوله : « يتباوأوا » على وزن يتقاتلوا وقولهم : هم بواء أي سواء معناه أكفاء ، لأن السواء والبواء اسمان بمعنى الاستواء فظاهر قوله تعالى :الْحُرُّ بِالْحُرِّأي مأخوذ ومقتول بمثله يقتضي أن لا يكون القصاص مشروعا إلا بين الحرين وبين الأنثيين وبين العبدين لأنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة وهو قوله تعالى :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلىفلما ذكر عقيبهالْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثىدل ذلك على أن رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة لأن قوله :الْحُرُّ بِالْحُرِّ[ البقرة : 178 ] إلى آخره خرج مخرج التفسير والبيان لقوله تعالى :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى[ البقرة : 178 ] فإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية فوجب أن لا يكون مشروعا . ثم قال أصحاب هذا القول : ظاهر الآية يقتضي أن لا يقتل العبد بالحر ولا الأنثى بالذكر إلا أنّا خالفنا هذا الظاهر بالقياس والإجماع ، أما القياس فهو أنه إذا قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر والذكر أولى . وأما الإجماع فإنه قد انعقد على أن الحر يقتل بالعبد والذكر بالأنثى وبالعكس . وذهب أبو حنيفة وأصحابه رحمهم اللّه إلى أن القصاص كما يثبت بين الذكر والأنثى يثبت أيضا بين الحر والعبد ويستدلون بعموم قوله تعالى :النَّفْسَ بِالنَّفْسِ[ المائدة : 45 ] وبقوله عليه الصلاة والسّلام : « المسلمون يتكافأ دماؤهم » وبأن تفاضل الأنفس غير معتبر في باب القصاص بدليل أن جماعة لو قتلوا واحدا قتلوا به وقوله تعالى :الْحُرُّ بِالْحُرِّلا يفيد الحصر البتة بأن لا يجري القصاص إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين ، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام . فإن قوله تعالى :كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلىجملة مستقلة بنفسها وقوله :الْحُرُّ بِالْحُرِّتخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر ، وتخصيص بعض الجزئيات المستقلة بالذكر لا يمنع من ثبوت الحكم لسائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفائدة وهي لا تنفي الحكم عن سائر الصور . ثم اختلفوا في تلك الفائدة فذكروا فيها وجهين : الأول وعليه الأكثرون أن فائدته إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل ، ففائدة التخصيص زجرهم عن ذلك .
قوله : ( ولا يدل على أن لا يقتل الحر بالعبد ) جواب ما يقال لما أوجبت الآية بمنطوقها أن يتساوى القاتل والمقتول في الأوصاف المذكورة لزم أن لا يقتل الذكر بالأنثى لعدم المساواة بينهما . وقد دلت الآية بمفهومها على أنه لا يقتص من القاتل عند اختلاف الصفة بينه وبين