تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ
ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به برّ من آمن باللّه أو لكن ذا البر من آمن . ويؤيده قراءة من قرأ ولكن البار والأول أوفق وأحسن . والمراد بالكتاب الجنس أو القرآن . وقرأ نافع وابن عامر ولكن بالتخفيف ورفع البر .
شرح
قوله : ( برّ من آمن ) لما كان اسم « ليس » من أسماء المعاني وخبرها من أسماء الأعيان امتنع الحمل لذلك . قال الزجاج : معناه ولكن ذا البر فحذف المضاف من الاسم كقوله :هُمْ دَرَجاتٌ[ آل عمران : 163 ] أي ذو درجات . وقال قطرب والفراء : معناه ولكن البر بر من آمن فحذف المضاف من الخبر ، واختاره سيبويه لكون الذي يستدرك بيان أن البر ما هو وتعين أن ذا البر من هو لا يناسب النفي السابق فلذلك قدم المصنف هذا الوجه وجعله أوفق وأحسن . واعلم أنه تعالى اعتبر في تحقيق البر أمورا : أحدها الإيمان بخمسة أشياء باللّه واليوم الآخر والملائكة والنبيين ولما كان الإيمان باللّه أصلا لجميع الكمالات العلمية والعملية قدم في الذكر ، ولما كان الإيمان باليوم الآخر متفرعا على الإيمان باللّه لأنّا ما لم نعلم باستحقاق الألوهية وقدرته على جميع الممكنات لا يمكنا أن نعلم صحة الحشر والنشر ، ولما كان الإيمان به محركا وداعيا إلى الانقياد للّه في جميع ما أمر به ونهى عنه خوفا وطمعا ذكر الإيمان به عقيب الإيمان باللّه . ثم إن الإيمان بالملائكة والكتاب لما كان متوقفا على الإيمان بالأنبياء إذ لا طريق لنا إلى الإيمان بهما إلا بواسطة الإيمان بالنبيين كان المناسب بحسب الظاهر أن يقدم ذكر الإيمان بهم على ذكر الإيمان بالملائكة والكتاب إلا أنه قدم الإيمان بهما في الذكر رعاية للترتيب بحسب الوجود الخارجي ولم ينظر إلى الترتيب في العلم . فإن الملك يوجد أولا ثم يحصل بواسطته نزول الكتب إلى الرسل ويدعو الرسل إلى ما فيها من الأحكام . والثاني من الأمور التي اعتبرها اللّه في تحقيق البر صرف المال إلى المصارف الستة المذكورة لا بطريق إيتاء الزكاة لذكره بعده بطريق العطف عليه حيث قال :وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَومن حق المعطوف أن يكون مغايرا للمعطوف عليه بل بطريق أداء الحقوق المالية سوى الزكاة كدفع الحاجات الضرورية كما روي عن الشعبي رحمه اللّه : أن في المال حقا سوى الزكاة ، وتلا هذه الآية . وما قيل من أن الزكاة نسخت الحقوق المالية ممنوع لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « في المال حقوق سوى الزكاة » ولقوله عليه الصلاة والسّلام : « ولا يؤمن باللّه واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره طاويا إلى جنبه » . وقول الرسول أولى بالقبول ولأن الأمة أجمعوا على أنه يجب أن يدفع إلى المضطر ما تندفع به ضرورته سواء وجبت الزكاة على الدافع أو لم تجب فلا يكون المدفوع زكاة . وإن سلمنا أن الزكاة نسخت الحقوق المالية فالمراد أنها نسخت الحقوق المقدرة وأما الذي لا يكون مقدرا فغير منسوخ بدليل أنه يلزم النفقة على الأقارب