تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
البرّ ما بيّنه اللّه واتبعه المؤمنون . وقيل : عام لهم وللمسلمين أي ليس البرّ مقصورا بأمر القبلة أوليس البرّ العظيم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها . وقرأ حمزة وحفص البرّ بالنصب .
شرح
واليهود كانوا يمنعون الناس منهما . وثامنها الوفاء بالعهود واليهود نقضوا العهود قال تعالى :وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ[ البقرة : 40 ] وتاسعها الصبر في البأساء والضراء وحين البأس والمراد بذلك المحافظة على الجهاد وأهل الكتاب أخلوا بذلك حيث كانوا في غاية الخوف والجبن كما قال تعالى :لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى[ الحشر : 14 ] والحاصل أنه لمّا حولت القبلة وكثر خوض أهل الكتاب في نسخها صاروا كأنهم قالوا : مدار البر والطاعة هو الاستقبال فأنزل اللّه هذه الآية كأنه قال : ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين . قوله : ( وقيل عام لهم وللمسلمين ) وجه دخول أهل الكتاب فيه ما مر من كثرة خوضهم في شأن تحويل القبلة ووجه دخول المسلمين فيه أنه لما حولت القبلة ظنوا أن المقصود الأكبر من أمر الدين هو التوجه إلى الكعبة فأغيظ اليهود بذلك والمسلمون فرحوا به فرحا عظيما لما كانوا يحبون ذلك لتضمنه مخالفة أهل الكتاب من حيث القبلة حتى ظنوا أنه المقصود الأكبر في أمر الدين . فعاتبهم اللّه تعالى بهذا الخطاب على أن البر لا يتم بمجرد تعيين جهة الاستقبال بل مدار البر هو الانقياد للّه تعالى في جميع تكاليفه ، وفضل بعض الجهات على بعض ليس لاقتضاء ذاتها إياه وإنما الفضل لموافقة الأمر وطاعة الملك القادر . قوله : ( أي ليس البر مقصورا بأمر القبلة ) يعني أن المعرف بلام الجنس أن جعل مبتدأ فهو مقصور على الخبر تحقيقا نحو : الأمير زيد إذا لم يكن أمير سواه أو مبالغة لكمال ذلك الخبر في ذلك الجنس نحو الشجاع عمر وإذ كان هو الكامل في الشجاعة كأنه لا اعتداد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال وإن جعل خبرا فهو مقصور على المبتدأ كذلك أي تحقيقا أو مبالغة نحو : زيد الأمير وعمر والشجاع أي لا أمير سواه حقيقة وعمرو هو الكامل في الشجاعة ولا تفاوت بين جعله مبتدأ أو خبرا في إفادة قصر الإمارة على زيد والشجاعة على عمرو . وإذا قلت : ليس الأمير زيدا أوليس زيدا الأمير يكون المعنى نفي أن يكون جنس الإمارة مقصورا على زيد حقيقة أو مبالغة على معنى ان الأمير الكامل الذي لا يعتد بجنس إمارة غيره زيد فقوله :لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْيحتمل أن يكون المنفي جنس البر منحصرا في تولية الوجوه ، وأن يكون المنفي انحصار البر الكامل فيها . وإنما حمله على نفي انحصار أصل البر وانحصار البر الكامل في التولية إذ لا يصح نفي كونها من عداد البر ضرورة كونها من الأفعال المرضية قطعا .
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 428 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين