إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
( 172 ) إن صحّ أنكم تخصّونه بالعبادة وتقرّون أنه مولي النعم فإنّ عبادتكم لا تتمّ إلّا بالشكر ، فإن المعلّق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإتمامه وهو عدم عند عدمه . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يقول اللّه تعالى : إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري » .
شرح
أرفع المنازل للعباد ونبه بقوله :إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَعلى أن عبادته تعالى لا تتم إلا بشكره وهذا الأمر ليس أمر إباحة بل هو للإيجاب إذ لا شك في أنه يجب على العاقل أن يعتقد بقلبه أن من أوجده وأنعم عليه بما لم يحص من النعم الجليلة مستحق لغاية التعظيم وأن يظهر ذلك بلسانه وبسائر جوارحه . وجواب قوله :إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُمحذوف أي فاشكروا له على ما أباح لكم من الطيبات المستلذات وإياه تعبدون قدم عليه ليفيد الاختصاص مع أن عامله رأس آية تقدم عليه لرعاية الفواصل أي اشكروا له إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه هو إلهكم ومولى نعمكم . قوله : ( فإن المعلق بفعل العبادة ) جواب سؤال يتوقف بيانه على مقدمة وهي أن الإمام الشافعي رحمه اللّه ذهب إلى أن الحكم المعلق على ما دخلت عليه كلمة « إن » ينتفي عند انتفاء مدخولها واستدل عليها بأنها إنما تدخل على الشرط ومن المعلوم أن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط . وخالفه الحنفية مستدلين بقوله تعالى :وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَفإنه تعالى علق الأمر بالشكر وإيجابه بكلمة « إن » على فعل العبادة مع أن من لم يفعل هذه العبادات يجب الشكر عليه أيضا فما ذكرتم من الدليل الدال على أن المعلق بالشرط يعدم عند عدمه معارض بهذه الآية . والمصنف أجاب عن معارضة خصمه بمنع دلالة الآية على خلاف مذهبه وذلك لأن الحكم المعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإتمام ذلك الفعل وعند انتفاء الفعل لا يتصور تمامه فينتفي الأمر بالشكر بانتفائه لأن الأمر لا يتعلق بالمستحيل . واستدلت الحنفية أيضا بقوله تعالى :وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً[ النور : 33 ] فإنه تعالى علق النهي عن الإكراه على الزنى على إرادتهن التحصن مع أن النهي عن الإكراه لا ينعدم بانعدام إرادتهن التحصن . وأجاب المصنف عن هذه المعارضة في أصوله بقوله : قلنا : لا نسلم بل انتفى الحرمة لامتناع الإكراه . انتهى جوابه بعبارته . أي قلنا : لا نسلم عدم انتفاء المشروط وهو حرمة الإكراه بانتفاء الشرط الذي هو إرادة التحصن ، بل انتفى الحرمة بانتفاء الإرادة لامتناع الإكراه عند انعدام إرداتهن التحصن فينعدم النهي عن الإكراه حينئذ لأن النهي عن الشيء يتوقف على إمكانه لأن النهي عن الممتنع غير مفيد فهذه المعارضة مع جوابها نظير لما نحن فيه . قوله : ( صلّى اللّه عليه وسلّم الإنس والجن ) منصوبان بالعطف على اسم « إن » وفي « نبأ عظيم » خبرها . قوله : ( أخلق الخ ) استئناف . ثم إنه تعالى لما أمر في الآية المتقدمة بأكل الحلال الطيب فصل المحرمات بقوله :