ذلك من باب التمثيل المركب .
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
رفع على الذم
فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( 171 ) أي بالعقل للإخلال بالنظر .
شرح
أحد الجانبين وتوضيح المقام أن قوله الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء يشتمل على أمور الناعق ونعيقه والبهائم المنعوق بها ، وكذا في جانب المشبه أمور الذين كفروا وداعيهم ودعاؤه فجاز أن يكون التشبيه المذكور في الآية من قبيل التشبيه المفروق حتى يكون الداعي كالناعق والكفرة كالبهائم ، ودعاء الداعي بالكفرة كنعيق الناعق بالبهائم . وجاز أيضا أن يكون من قبيل الهيئات المشبهة بأن يشبه المجموع بالمجموع ولا يلزم فيه مطابقة أجزاء أحد الطرفين بأجزاء المجموع الآخر ومثل هذا التشبيه يسمى تشبيها تمثيليا لأن وجه الشبه منتزع من عدة أمور متوهمة ولما لم يقصد تشبيه المفردات بالمفردات لم يحتج إلى تقدير المفردات في أحد الجانبين وإلى هذا الوجه أشار المصنف بقوله : « وقيل هو تمثيلهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم » الخ فإنه مبني على أن يكون الكلام من قبيل المركب التمثيلي بأن يشبه حالهم في اتباعهم آبائهم الذين يدعونهم إلى الكفر بحال البهائم في استماع الأصوات كما أنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته من المعنى فكذلك هؤلاء لا يتبعون إلا ظاهر حال الآباء ولا يفهمون أهم على حق أم باطل ؟ فالداعي على هذا الوجه هو الداعي إلى الكفر وهم الآباء فإنهم في دعاء أعقابهم إلى التقليد بمنزلة الرعاة الذين ينعقون بالبهائم في أن كلا منهما تعامل مع من لا يحس منه إلا ظاهر حاله وكذا قوله : « أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام » فإنه أيضا تشبيه تمثيلي لا يحتاج فيه إلى اعتبار الحذف والمعنى : مثل الذين كفروا في عقلهم في عبادتهم لهذه الأصنام كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضي على ذلك الراعي بقلة العقل فكذا ههنا . والمصنف جعل التشبيه الواقع في الآية على جميع التقادير من قبيل التشبيه المفروق فلذلك زيف الوجه الرابع بأنه لا وجه حينئذ للاستثناء أعني قوله : « إلا دعاء ونداء » إذ لا وجه له في التشبيه ولأن الأصنام لا تسمع شيئا فإن قوله :
« إلا دعاء » استثناء مفرغ لأن قوله : « بما لا يسمع » لم يأخذ مفعوله فيكون صورة التشبيه هكذا :
دعاء الأصم كمن ينعق بما انحصر مسموعه في الدعاء لا يسمع غيره ولا وجه له . فإن قيل :
كيف ذم البهائم بأنها لا تسمع إلا الدعاء مع أن مدلولات الألفاظ لا تسمع إنما المسموع هو الصوت والنداء ؟ وقولنا لا يسمع إلا المسموع لا يكون ذما لأحد . والجواب أن المراد كمثل الذي ينادي بما لا يؤدي سماعه إلى فهم المعنى فكأنه قيل : لا يفهم إلا الصوت والنداء .
قيل : الفرق بين الدعاء والنداء أن الدعاء للقريب والنداء للبعيد . ويحتمل أن يكون الدعاء أعم من النداء .
قوله : ( رفع على الذم ) أي على تقديرهم . ثم إنه تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في