يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
لما وسع الأمر على الناس كافة وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرّم عليهم أمر المؤمنين منهم أن يتحروا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها ، فقال :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
على ما رزقكم وأحلّ لكم
شرح
تقبيح حالهم فقال :صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌعلى التشبيه البليغ لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الدعاء الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه ، وبمنزلة البكم في أنهم لم يستجيبوا لما دعوا إليه ، وبمنزلة العمي من حيث إعراضهم عن الدلائل كأنهم لم يشاهدوها . ثم إنه تعالى لما شبههم بعادمي هذه القوى الثلاث التي يتوسل بها إلى تمييز الحق من الباطل واختيار الحق فرع على هذا التشبيه قوله :فَهُمْ لا يَعْقِلُونَأي لا يكسبون الحق إنما جبلوا عليه من العقل الغريزي لأن اكتسابه إنما يكون بالنظر والاستدلال ومن كان كالأصم والأعمى في عدم استماع الدلائل ومشاهدتها كيف يستدل على الحق ويعقله ؟ ولهذا قيل : من فقد حسا فقد فقد علما . وليس المراد نفي أصل العقل عنهم لأن نفيه رأسا لا يصلح طريقا للذم . وأشار المصنف رحمه اللّه إلى هذا المعنى بقوله أي بالفعل . قوله : ( سوى ما حرم عليهم ) مبني على أن الكفار مخاطبون بالفروع . والمراد بالرزق في قوله : « أن يتحروا طيبات ما رزقوا » الحلال قال تعالى :وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ[ النساء : 2 ] أي لا تتبدلوا الحرام بالحلال . والثاني بمعنى الطاهر قال تعالى :فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً[ النساء : 43 ] [ المائدة : 6 ] والثالث بمعنى الحسن قال تعالى :إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ[ فاطر : 10 ] أي الحسن من كلام المؤمنين والرابع بمعنى المؤمن قال تعالى :لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[ الأنفال : 37 ] يعني الكافر من المؤمن . وقد فسره المصنف عن قرب بما تستطيبه الشهوة المستقيمة أي يستلذه الطبع السليم . وهذا المعنى هو المناسب بهذا المقام من جملة الكلام على الحلال والظاهر من الشكر لأن المقام مقام امتنان بما رزقهم من لذائذ الإحسان وطلب شكر المنعم المنان بخلاف ما سبق فإنه مقام الاحتياط والتحرز عن الشهوات وعن اتباع خطوات الشيطان والميل إلى ما زينه من العصيان . ومقصود المصنف هنا بيان الفرق بين الخطاب الأول بقوله :يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً[ البقرة : 168 ] وبين قوله هنا :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ[ البقرة : 72 ] يعني أن الخطاب بقوله :يا أَيُّهَا النَّاسُيعم الناس كافة ووسع الأمر عليهم حيث أباح لهم ما في الأرض سوى ما حرم عليهم . فإن قوله :
« كلوا حلالا » تنبيه على أنه لم يحظر عليهم إلا تناول المحرم وعقبه بالنهي عن اتباع خطوات الشيطان ، وجعل الخطاب في هذه الآية مختصا بالمؤمنين وأمرهم أن لا يتوسعوا في تناول ما رزقوه بل يتخيروا من الطيب تخيّر الناس مما في الأرض . وأمر في الأولى بالتحرز عن خطوات الشيطان وعن الانقياد له فيما زينه من العصيان ، وأمر هنا بالشكر للّه تعالى الذي هو