أعم منهما وهو ما يشغله عن اللّه .
يُحِبُّونَهُمْ
يعظمونهم ويطيعونهم
كَحُبِّ اللَّهِ
كتعظيمه والميل إلى طاعته أي يسوّون بينه وبينهم في المحبة والطاعة . والمحبّة ميل القلب من الحب استعير لحبّة القلب ثم اشتق منه الجب لأنه أصابها ورسخ فيها ، ومحبة العبد للّه تعالى إرادة طاعته والاعتناء بتحصيل مراضيه ، ومحبّة اللّه للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي .
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
لأنه لا ينقطع محبتهم للّه تعالى بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم إلى اللّه تعالى عند الشدائد ويعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره .
شرح
قوله : ( يعظمونهم ويطيعونهم ) الثاني على أن يراد بالأنداد الرؤساء ، والأول أن يراد بهم الأعم . وفسر المحبة ولم يبقها على ظاهرها لئلا يرد ما يقال : إن الذين يتخذون الأنداد من دون اللّه كانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعا مدبرا حكيما ويدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم :وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[ لقمان : 25 ] [ الزمر : 38 ] وقوله تعالى في حقهم أنهم قالواما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى[ الزمر : 3 ] ومن كان هذا اعتقاده كيف يتصور منه أن تكون محبته للأنداد كمحبته للّه تعالى ؟ فإذن لا يرد ذلك لأن التسوية في التعظيم لا تنافي الاعتقاد المذكور والمقصود من التشبيه بيان حال المشبه في الوصف من القوة والضعف والتسوية . والمراد ههنا التسوية لقوله : « يسوون بينه وبينهم » لينطبق عليه قوله تعالى :وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِولفظ المحبة مأخوذ من الحب كحب الحنطة والشعير شبه حبة القلب بالحب المعروف فاستعير اسم الحب لها ، ثم اشتق من الحب المستعار للقلب الحب بمعنى ميل القلب وتشعب منه الأفعال وما يشتق منها . فقيل :
حببته فهو محبوب وأحببته فأنا محب أي أصاب حبه حبة قلبي ورسخ فيها أو حببته بحبة قلبي أي ضربته بها كما يضرب الطين على البناء كما يقال : رمحته وعنته أي أصبته بالرمح والعين وضربته بهما . فمدلول قولك : حببته وأحببته وإن كان من قبيل الفعل بحسب ظاهر اللفظ إلا أنه في الحقيقة قد يكون من قبيل الانفعال لأن قلب الحب منفعل من المحبوب غالبا وإذا استعمل في اللّه عز وجل فقيل : أحب اللّه فلانا فلا مدلول له سوى الفعل فإن معناه أصاب اللّه حبة قلبه فجعلها مصونة عن الهوى والشيطان وسائر أعداء اللّه تعالى .
قوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ )المفضل عليه محذوف وهم الذين اتخذوا من دون اللّه أندادا أي أنهم أشد حبا للّه من المتخذين الأنداد لأوثانهم . قال أبو البقاء : ما يتعلق « بأشد » محذوف تقديره : أشد حبا للّه من حب هؤلاء الأنداد ، فإن الكافر يعرض على معبوده في وقت البلاء ويقبل على اللّه كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله :فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا