وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
لا ينزل ولا ينقشع مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر اللّه تعالى . وقيل : مسخر للرّياح تقلبه في الجو بمشيئة اللّه ، واشتقاقه من السحب لأن بعضه يجرّ بعضا .
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( 164 ) يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم . وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويل لمن قرأ هذه الآية ومجّ بها » ، أي لم يتفكر فيها . واعلم أن دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصّلا ، والكلام المجمل أنها أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة إذ كان من الجائز مثلا أن لا تتحرك السماوات أو بعضها كالأرض وأن تتحرك بعكس حركاتها وبحيث تصير المنطقة دائرة مارّة بالقطبين ، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلا أو على هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها فلا بد لها من موجد قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته متعاليا عن معارضة غيره . إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه فإن توافقت إرادتهما فالفعل إن كان لهما لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد وإن كان لأحدهما لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وعجز الآخر المنافي لإلهيته ، وإن اختلفت لزم التمانع والتطارد كما أشار إليه بقوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
شرح
مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار ، ودبور وهي ما تقابل الصبا ، وشمال وهي التي تهب من ناحية القطب وتقابلها الجنوب والعاصفة الشديدة الهجوم التي تقلع الخيام والعقيم التي لم تقل شجرا ولم تحمل مطرا ، واللواقح تلقح الأشجار وهي جمع ملقحة على الشذوذ . قوله : ( ولا ينقشع ) أي ولا ينكشف . يقال : قشعت الريح السحاب فانقشع أي كشفته فانكشف ، والتسخير التذليل والسحاب مذلل مطيع للّه في الهواء وقوله :بَيْنَ السَّماءِإما منصوب بقوله :الْمُسَخَّرِظرف للتسخير أو حال من الضمير المستتر في اسم المفعول فيتعلق بمحذوف أي كائنا بين السماء . وفي الكشاف : السحاب سخر للرياح تقلبه في الجو بمشيئة اللّه يمطر حيث شاء والسحب الجر تقول : سحبت ذيلي فانسحب أي جررته فانجر والسحاب اسم جنس واحدته سحابة سمّي بذلك لانسحابه في الهواء . قوله :( لَآياتٍ )اسم « إن » وقوله :فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ البقرة : 164 ] الخ خبر مقدم ودخلت اللام على الاسم لتأخره عن الخبر ولو كان في موضعه لما جاز دخول اللام عليه . وقوله :يَعْقِلُونَجملة في محل الجر لأنها صفة لقوم . قوله : ( صلّى اللّه عليه وسلّم ومج بها ) المج حقيقة في قذف الريق ونحوه من الفم ، وعدي بالباء لما فيه من معنى الرمي . استعير ههنا لعدم الاعتبار والاعتداد بها بأن يتفكر فيها ليكون بذلك من أصحاب اليقين فإن من تفكر فيها فكأنه حفظها ولم يلقها من فيه .