قدّمه على ذكر المطر والسحاب لأن منشأهما البحر في غالب الأمر ، وتأنيث الفلك لأنه بمعنى السفينة . وقرىء بضمتين على الأصل أو الجمع وضمّة الجمع غير ضمة الواحد عند المحققين .
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ
من الأولى للابتداء والثانية للبيان والسماء يحتمل الفلك ، والسحاب وجهة العلو .
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
بالنبات .
وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
عطف على أنزل كأنه استدل بنزول المطر وتكوّن النبات
شرح
السماوات ما ذكر من الاستدلال بالبحر وأحواله قدم ذكر الفلك ، إذ لو كان المقصود بذكر الفلك الاستدلال بنفسه وأحواله لم يكن في ذكر المطر والسحاب عقيب ذكر الفلك المناسبة المتحققة على تقدير أن يكون المقصود بذكر الفلك الاستدلال بالبحر ، إذ ليس بين المطر والسحاب وبين نفس الفلك المناسبة الكائنة بين البحر وبينهما . قوله : ( وتأنيث الفلك لأنه بمعنى السفينة ) والظاهر أن الفلك في الآية جمع وتأنيثه بتأويل الجماعة فإن الفلك قد يكون واحدا كما في قوله تعالى :فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ[ يس : 41 ] وقد يكون جمعا كما في قوله تعالى :حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ[ يونس : 22 ] وإذا أريد به الجمع ففيه أقوال :
أصحها وهو قول سيبويه إنه جمع تكسير ، فإن قيل : جمع التكسير لا بد فيه من تغيير فالجواب أن تغييره مقدر فالضمة في حال كونه جمعا كالضمة في نحو : حمر وبدن وفي حال كونه مفردا كالضمة في قفل ، والثاني وهو مذهب الأخفش أنه اسم جمع كصحب وركب .
والثالث أنه جمع فلك بفتحتين كأسد وأسد وإذا أفرد ذلك فهو مذكر قال تعالى :فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِوقال جماعة منهم : أبو البقاء يجوز تأنيثه مستدلين بقوله :وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِيفوصفه بصفة التأنيث ولا دليل في ذلك لاحتمال أن يراد به الجمع . قوله : ( على الأصل ) بأن يكون الفلك الساكن اللام مفردا مخففا من مضموم اللام نحو كفوا في كفوا على أنه جمع على وزن كتب ومن الأولى للابتداء الغاية أي أنزله من جهة السماء ، والثانية لبيان الجنس فإن المنزل من السماء يعم الماء وغيره .
قوله : ( والسماء يحتمل الفلك ) على ما قيل من أن المطر ينزل من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض . ويحتمل جهة العلو سماء كانت أو سحابا فإن كل ما علا الإنسان يسمى سماء ومنه قيل للسقف : سماء البيت . ولما حصل للأرض بسبب ما ينبت فيها من أنواع النباتات حسن وكمال شبه ذلك بحياة الحيوان من حيث إن الجسم إذا صار حيا جعل فيه أنواع من الحسن والنضارة والبهاء فكذلك الأرض إذا تزينت بالقوة المنبتة وما يترتب عليها من أنواع النباتات . قوله : ( عطف على أنزل ) لما كان قوله تعالى :وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ