تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إنما جمع السماوات وأفرد الأرض لأنها طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين .
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
تعاقبهما كقوله :
جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً
[ الفرقان : 62 ]
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
أي بنفعهم أو بالذي ينفعهم والقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله ، وتخصيص الفلك بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطّلاع على عجائبه ولذلك
شرح
نزل قوله تعالى :وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌوسمعه المشركون تعجبوا وقالوا : كيف يسع الناس إله واحد فإن كان محمد صادقا في توحيد الإله فليأتنا بآية . فأنزل اللّه تعالى أن في خلق السماوات والأرض الآية وعلمهم كيفية الاستدلال على وجود الصانع ووحدانيته وردهم إلى التفكر في آياته والنظر في مصنوعاته . قال البغوي والواحدي رحمهما اللّه : ذكر السماوات بلفظ الجمع ووحد الأرض لأن كلها من جنس واحد وهو التراب . والمصنف أشار إلى ما قالاه بقوله : « مختلفة بالحقيقة » . قوله : ( أي بنفعهم أو بالذي ينفعهم ) يعني أن كلمة « ما » إما اسم موصول وحينئذ تكون باء المصاحبة مع مجرورها في موضع النصب على أنه حال من فاعل « تجري » أي تجري مصحوبة بالأعيان والمعاني التي تنفع الناس فإنهم ينتفعون بركوبها والحمل عليها للتجارات فهي تنفع الحامل لأنه يربح والمحمول إليه لأنه ينتفع بما حمل إليه ، وإما حرف مصدر وعلى هذا تكون الباء للسببية أي تجري بسبب نفع الناس في التجارة وغيرها . وفاعل ينتفع على الأول ضمير عائد إلى « ما » الموصولة وعلى الثاني ضمير البحر أو الجري لا ضمير الفلك لأنه جمع . وما وقع في الحواشي القطبية من أن فاعل « ينفع » حينئذ ضمير عائد إلى الفلك أو إلى الجري محل بحث وقوله تعالى :وَالْفُلْكِ الَّتِيمجرور بعطفه على خلق المجرور « بفي » لا على السماوات المجرور بالإضافة لأن الفلك لكونه من تركيب الناس ومصنوعهم ليس من قبيل السماوات والأرض في كونه من المخلوقات التي يستدل بما فيها من عجائب الصنع وبدائع الحكم الخفية والأسرار الدقيقة الدالة على ألوهية خالقها ووحدانيته . فلذلك قال المصنف : والقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله فإنه تعالى سخر البحر لحمل الفلك وإمساكه إياها فوقه مع ثقلها وكثرة وزنها مع قوة سلطان البحر إذا هاج وعظمت أهواله واضطربت أمواجه مع ما فيه من الحيوانات العظيمة ، ثم إنه تعالى يجري السفن عليها ويوصلها إلى ساحل السلامة وهذا الأمر لا بد له من خالق بالغ العلم والقدرة منفرد بصفات الألوهية . ولما ورد أن يقال : لو كان المقصود الاستدلال بالبحر وأحواله لوجب أن يذكر البحر بدل الفلك فلم خص الفلك بالذكر ولم يذكر البحر ؟ أجاب عنه بقوله : « وتخصيص الفلك بالذكر » الخ . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون المقصود بذكر الفلك معطوفا على خلق