لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
( 162 ) لا يمهلون أو لا ينظرون ليعتذروا أو لا ينظر إليهم نظر رحمة .
شرح
مضايق النيران فكان كل من عليه اللعنة فهو في النار ، نعوذ باللّه من ذلك ، وما يؤدي إليه فصارت النار لذلك في حكم المذكور فصح إرجاع الضمير إليها . قوله تعالى :( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ )يحتمل أن يكون استئنافا وأن يكون حالا من الضمير في« خالِدِينَ »فيكونان حالين متداخلين ، وأن يكون حالا ثانية من الضمير في« عَلَيْهِمْ »على مذهب من يجوز تعدد الحال .
قوله : ( لا يمهلون ) على أن يكون قوله : « ولا ينظرون » من الإنظار بمعنى الإمهال والتأجيل . قال ابن عباس : لا يمهلون للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة . يعني أن الآية مشتملة على معنى قوله تعالى :هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ[ المرسلات : 35 ، 36 ] ومعناه أنهم لا يجابون إلى نحو قولهم :أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ[ فاطر : 37 ] وقولهم :رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ[ المؤمنون : 107 ] ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يعذبون على الدوام والاستمرار وأن كل وجه من وجوه عذابهم يتصل بوجه آخر مثله أو أشد منه وأنهم لا يمهلون ولا يؤجلون ساعة ليستريحوا فيها . قوله : ( أو لا ينظرون أو لا ينظر إليهم ) مبنيان على أن يكون قوله :يُنْظَرُونَمن النظر لا من الإنظار ثم إن النظر إما بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى :انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ[ الحديد : 13 ] أي انتظرونا أو بمعنى الرؤية والإبصار والنظر بهذا المعنى قد يتعدى بنفسه وقد يتعدى بحرف الجر يقال : نظرته ونظرت إليه . فقول المصنف : « أو لا ينظر إليهم نظر رحمة » بيان للمعنى لا للاحتياج إلى تقدير حرف الجر . ثم إنه تعالى لما حذر من كتمان الحق بيّن بقوله :وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌأن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد . وبعد ما حكم بوحدانيته ذكر ثمانية من الدلائل الدالة على وجوده ووحدانيته ليستدلوا بها على كل واحد منهما إذ لا يشك عاقل في أن هذه المصنوعات العجيبة الشأن لا بد لها من صانع عالم قادر لا يشبهه شيء . وقوله :إِلهٌخبر المبتدأ وواحِدٌصفة وهو الخبر في الحقيقة لأنه محط الفائدة ألا ترى أنه لو اقتصر على ما قبله لم يفد ؟ وهذا يشبه الحال الموطئة نحو :
مررت بزيد رجلا صالحا ، فرجلا حال وليس مقصودا وصفها ولم يلتفت المصنف إلى احتمال أن يكون الخطاب للمؤمنين ويكون المعنى أنكم أيها المؤمنون لستم كالكفار الذين يعبدون آلهة شتى كالأصنام والشيطان والهوى ، فإنكم لا تعبدون إلا إلها واحدا بناء على أن احتمال كون الخطاب عاما أوفق لما هو المقصود من سوق الآية . وقوله : « تقرير للوحدانية » بيان لفائدة الجمع بينإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌوبينلا إِلهَ إِلَّا هُوَإذ أحدهما يغني عن الآخر . وتلك الفائدة هي أنه تعالى لما بيّن بقوله :وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌأنه المقصود بالعبادة