تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ
كالآيات الشاهدة على أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَالْهُدى
وما يهدي إلى وجوب اتباعه والإيمان به .
مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ
لخصناه
فِي الْكِتابِ
في التوراة
أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ
( 159 ) أي الذين يتأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة والثقلين .
شرح
جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم حملوا هذا اللفظ على العموم كما روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : من زعم أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية واللّه يقول :إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْناالآية . حملت هذه الآية على العموم ، وكذلك أبو هريرة رضي اللّه عنه قيل له : إنك تكثر رواية الحديث وغيرك لا يروي مثلك . فقال : إن المهاجرين والأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرءا مسكينا ألازم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأقنع بقوتي فقال لي عليه الصلاة والسّلام يوما من الأيام : إنه أي الشأن - « لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول » . أي حفظه - فبسطت عباءتي على الأرض حتى إذا قضى مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالته شيئا بعد هذا . وفيه معجزة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم قال أبو هريرة : لولا آيتان من كتاب اللّه ما حدثت حديثا بعد أن قال الناس أكثر أبو هريرة رواية الحديث وتلاإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْناالآية والكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتمانا فدلت الآية على أن ما تصل بالدين ويحتاج المكلف إليه لا يجوز كتمانه . ونظير هذه الآية قوله تعالى :وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ[ آل عمران : 187 ] وما رواه أبو هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من كتم علما يعلمه جيء به يوم القيامة ملجما بلجام من نار » . واعلم أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى وإذا لم يقصه لم يعص إذ لم يلزمه التبليغ إذا عرف أن معه غيره وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ بهذه الآية والحديث . قوله : ( من البينات ) حال من الموصول أو من الضمير المحذوف العائد إليه فإن التقدير أنزلناه ومن بعد ما بيناه متعلق « بيكتمون » لا بأنزلنا لفساد المعنى . قوله : ( كالآيات الشاهدة على أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) . وقوله : ( وما يهدي إلى وجوب اتباعه ) يدل على أن المراد بالبينات الشاهدة ما أنزل اللّه على الأنبياء من الكتب والوحي دون أدلة العقل ، وإن قوله :وَالْهُدىيدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية وقوله تعالى في حق الهدىمِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِأي لخصناه في الكتب لا يقتضي اتحادهما وأن يكون العطف لتغاير اللفظين لأن كونه مبنيا في الكتب ، كما يجوز أن يكون بطريق كونه من جملة التنزيل يجوز أيضا أن يكون بطريق كونه فائدة ملخصة أي مستفادة منه . واللعن الإبعاد على وجه الطرد وخص في عرف الشرع بالدعاء بالإبعاد من الرحمة