وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً
أي فعل طاعة فرضا كان أو نفلا أو زاد على ما فرض عليه من حج أو عمرة أو طواف أو تطوّع بالسعي إن قلنا إنه سنة . وخيرا نصب على أنه صفة مصدر محذوف الجار وإيصال الفعل إليه بتعدية الفعل لتضمنه معنى أتى أو فعل . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب يطوّع وأصله يتطوع فأدغم مثل يطّوف .
فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
( 158 ) مثبت على الطاعة لا تخفى عليه .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
كأحبار اليهود .
شرح
قوله : ( أي فعل طاعة ) فسر الخبر بالطاعة وهي في الأصل موافقة الأمر ، وقد تطلق على فعل ما فيه قربة فيعم الواجب وغيره ونصبه بتضمين فعل لأن تطوع لا يتعدى بنفسه .
وأصل التطوع الفعل طوعا لا كرها كأنه قيل : من فعل ما يتقرب به طائعا . قوله : ( أو زاد على ما فرض عليه من حج أو عمرة ) مبني على أن يكون التطوع بمعنى التبرع من قولهم طاع يطوع أي تبرع فكأنه قيل : من تبرع بما لم يفرض عليه من القربات أو من السعي على قول من يقول : إنه سنة وانتصاب خيرا على هذا إما على إسقاط حرف الجر أي من تطوع بخير وإما على أنه نعت مصدر محذوف أي من تطوع تطوعا خيرا وإما على أن يكون حالا من ذلك المصدر المقدر معرفة . قوله : ( وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب يطوع ) بالياء وتشديد الطاء وجزم العين على أن تكون « من » شرطية في محل الرفع بالابتداء وفعل الشرط خبرها على الأصح وقوله :فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌجملة في محل الجزم على أنها جواب الشرط ولا بد من عائد مقدر أي فإن اللّه شاكر له . والباقون قرأوا « تطوع » على تفعل ماضيا فكلمة « من » على هذه القراءة يحتمل أن تكون شرطية والكلام فيها كما تقدم ، ويحتمل أن تكون موصولة . و « تطوع » صلتها فلا محل لها من الإعراب حينئذ ، وتكون في محل الرفع بالابتداء أيضا . وقوله :فَإِنَّ اللَّهَخبر دخلت الفاء عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط والعائد محذوف كما تقدم أي شاكر له أي مجاز بعمله فإن الشاكر في وصف اللّه بمعنى المجازي على الطاعة بالإثابة عليها وقوله : « عليم » أي عليم بطاعة المتطوع ونيته فيها .
قوله : ( كأحبار اليهود ) إشارة إلى أن قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَعام يتناول كل من كتم شيئا من الدين كما يدل عليه ظاهر اللفظ . وقيل : نزلت الآية في علماء اليهود الذين كتموا صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وآية الرجم وغيرها من الحدود والأحكام المبينة في التوراة . وقيل :
إنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى . والأول أقرب إلى الصواب لأن اللفظ عام وقد ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وإن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ولا شك أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن ، فيكون وصف الكتمان علة لهذا الحكم فوجب أن يتحقق حكم اللعن أينما تحقق فيه الوصف . ولأن