وَالصَّلاةِ
هي أمّ العبادات ومعراج المؤمنين ومناجاة ربّ العالمين .
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
( 153 ) بالنصر وإجابة الدعوة .
شرح
ولم يقل : « ولا تكفروا لي » ليطابق قوله :وَاشْكُرُوا لِيقيل : خص الكفر به تعالى للتنبيه على أنه أعظم قباحة بالنسبة إلى كفر نعمه فإن كفران النعم قد يعفى عنه بخلاف الكفر به تعالى . انتهى كلامه . فإن قيل : قد تم الكلام بقوله :فَاذْكُرُونِيسواء كان قوله :كَما أَرْسَلْنا[ البقرة : 151 ] متصلا بما قبله أو بما بعده لأن محصل المعنى على التقدير الثاني كما أنعمت عليكم بهذه الأنواع من النعم فقابلوا تلك النعم بالذكر والشكر ، كما إذا قلت :
كما أحسنت إليك أحسن إليّ أي قابلني بالإحسان مجازاة ومكافاة لإحساني إليك . وعلى التقدير الأول حوّلت القبلة إلى الكعبة لئلا يكون للناس عليكم حجة ويظهر سلطانكم على المخالفين ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة إذ حولتكم إلى قبلة بناها أبوكم إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسّلام أو لأتم نعمتي عليكم في الآخرة بإثابتكم الجزاء الأوفى إنعاما مثل إنعامي عليكم بإرسال رسول شأنه كذا وكذا ، وإذا كان كذلك فاذكروني بالطاعة واشكروا لي بهذه النعم الجليلة . وإذا تم الكلام بقوله :فَاذْكُرُونِيفما وجه قوله :أَذْكُرْكُمْ[ البقرة : 152 ] بالجزم جوابا للأمر على أسلوب قولك : زرني أزرك فإن ذلك إنما يتعارف إذا وقع الأمر ابتداء كلام وكأن الفعل المطلوب إحسانا مبتدأ يستحق فاعله به المجازاة والمكافاة وليس الأمر ههنا ، كذلك لأن الشكر المطلوب منهم أمر وجب عليهم شكرا للنعم السابقة والعبد كيف يستحق الأجر والجزاء بأداء ما وجب عليه ؟ والجواب أن اللّه تعالى وإن أوجب عليهم الطاعة شكرا لنعمه السابقة ، ألا أنه من عادة فضله وإحسانه جعلها بمنزلة ابتداء إحسان فوعد عليها الثواب بقوله :أَذْكُرْكُمْوجعله جزاء مقابلا لها كائنها ابتداء خدمة من جهتهم فضلا منه وكرما فإن من اتصف بالكرم من العبيد إذا أنعم على أحد نعمة فإنه يربي تلك النعمة بالإنعام عليه ثانيا وثالثا كأنه جزاء ما أعطاه أولا ، واللّه تعالى هو الموصوف بالكرم على الحقيقة فلا يبعد ذلك بل هو المستحق لذلك . ثم إنه تعالى لما أوجب عليهم الطاعة والعبادة شكرا لما أسبغ عليهم من نعمه الظاهرة والباطنة والعبادة مما يشق تحملها على النفس حثهم على الاستعانة بالصبر والصلاة تنبيها على أنه بهما يتوصل إلى الشكر المطلوب ويتحمل مشاق العبادات ، فإن الصبر الذي هو تحمل المشاق من غير جزع واضطراب ذريعة إلى فعل كل خير ومبدأ كل فضل فإن أول التوبة الصبر عن المعاصي وأول الزهد الصبر عن المباحات ، وأول الإرادات الصبر عن طلب ما سوى اللّه ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم :
« الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد » وقال : « الصبر خير كله فمن تحلّى بحلية الصبر سهل عليه ملابسة الطاعة والاجتناب عن المنكرات » . وكذا الصلاة فإنها تجب أن تفعل على