تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
أزكياء . قدّمه باعتبار القصد وأخّره في دعوة إبراهيم باعتبار الفعل
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
( 151 ) بالفكر والنظر إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي ، وكرّر الفعل ليدل على أنه جنس آخر .
شرح
قوله تعالى :( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ )ليس تكرارا لأن المراد بتعليمه تعليم ما فيه من المعاني والأسرار والشرائع والأحكام التي باعتبارها وصف القرآن بكونه هدى ونورا ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه فيبقى على ألسنة أهل التواتر مصونا عن التحريف والتصحيف ويكون معجزة باقية إلى يوم القيامة ولا يكون تلاوته في الصلاة وخارجها نوعا من نسك العبادة والقربة ، ومع ذلك كان يعلمهم ما فيه من الحقائق والأسرار ليهتدوا بهداه ونوره . والمصنف حمل الآيات على دلائل التوحيد والنبوة وفسر تلاوتها بتبليغها إليهم حيث قال : يتلو عليهم آياتك يبلغهم ما يوحى إليه من دلائل التوحيد والنبوة ، وجعل الكتاب القرآن وحمل الحكمة على المعارف الإلهية النظرية والأحكام العملية التي هي أسباب لاستكمال النفس وانصرافها عن الجهل والخطأ وإصابتها في القول والعمل . يقال : أحكمت الشيء إذا رددته عما يعيبه . وحمل قوله : « ويزكيهم » على معنى ويطهرهم من الشرك والمعاصي سواء كانت بترك الواجب أو ارتكاب المحرمات ولم يذكر متعلق التزكية ههنا للتعميم ولتذهب نفس السامع كل مذهب . قوله : ( قدمه باعتبار القصد ) جواب لما يقال : كيف أخر ذكر التزكية عن تعليم الكتاب والحكمة فيما حكي عن إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله :رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ[ البقرة : 129 ] وقدم ذكرها هنا ؟ وتقرير الجواب أن تطهير النفوس من الرذائل القولية والعملية والاعتقادية غاية أخيرة متأخرة بحسب الوجود الخارجي عن تبليغ دلائل وجود الصانع ووحدته ودلائل النبوة وعن تلاوة نظم القرآن وتعليم معانيه وأسراره وعن تعليم الحكمة ، كما أنه علة متقدمة بحسب التصور والوجود الذهني بالنسبة إلى الأمور المذكورة فقدم ذكر التزكية في هذه الآية نظرا إلى تقدمها في التصور وأخر في دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام نظرا إلى تأخرها في الوجود الخارجي عن تلك الأمور فإن المقصود من تلك الأمور إنما هو التطهير المتفرع عليها . قوله : ( بالفكر والنظر ) مأخوذ من تفسير الراغب حيث قيل : ما معنى ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ؟ وهل ذلك إلا الكتاب والحكمة ؟ قيل : عنى بذلك العلوم التي لا طريق إلى تحصيلها إلا من جهة الوحي على ألسنة الأنبياء ولا سبيل إلى إدراك جزئياتها ولا كلياتها إلا به ، وعنى بالحكمة والكتاب ما كان للعقل مجال في معرفة شيء منه وأعاد ذكريُعَلِّمُكُمُفي قوله :ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَتنبيها على أنه علم مفرد عن العلم المتقدم ذكره . إلى هنا كلام الراغب . فكأنه جعله من عطف الخاص على العام تنبيها على علو شأنه وعظم قدره
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 387 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين