تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
عن المعاصي وحظوظ النفس .
شرح
كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له . وأما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم فهي أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها ، وعلى هذا الوجه سمّى اللّه تعالى الصلاة ذكرا بقوله :فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ[ الجمعة : 9 ] فصار الأمر بقوله :فَاذْكُرُونِي[ البقرة : 152 ] متضمنا لجميع الطاعات فلهذا ذكر عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل فيه جميع أنواع الفكر وأقسامه . انتهى كلامه . فالذكر بهذا المعنى هو الشكر لا سيما وقد ذكر الذكر بعد الفاء السببية المفيدة لكون مدخولها جزاء لما تقدم ، وكون مضمون الكلام السابق شرطا له فكأنه قيل : إذا أنعمت عليكم بهذه النعم الجليلة فاذكروني بالطاعة والطاعة الواقعة بإزاء النعمة المسببة عنها هي الشكر بلا شبهة . وفي المعالم : قوله تعالى :وَاشْكُرُوا لِي[ البقرة : 152 ] يعني اشكروا لي نعمتي بالطاعة ولا تكفروني بالمعصية فإن من أطاع اللّه فقد شكره ومن عصى اللّه فقد كفره . وفي التيسير : الشكر إظهار النعمة بالاعتراف بها أو يعمل هو كالاعتراف في القيام بحقها ، والكفر أن يستر نعمة المنعم بالجحود أو بعمل هو كالجحود وفيه مخالفة للمنعم . فلما كان الأمر بالذكر لما أمر بالشكر كان قوله تعالى :وَاشْكُرُوا لِيأمرا بتخصيص شكرهم به تعالى لأجل إفضاله وإنعامه عليهم وأن لا يشكروا غيره . وإليه أشار الإمام أبو منصور بقوله تعالى :وَاشْكُرُواأي وجهوا شكر نعمتي لي ولا تشكروا غيري . وصاحب التيسير جعل قوله تعالى :فَاذْكُرُونِيأمرا بالقول وقوله :وَاشْكُرُوا لِيأمرا بالعمل ، وأيده بقوله تعالى :اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً[ سبأ : 13 ] قال الراغب : إن قيل ما الفرق بين : شكرت لزيد وشكرت زيدا ؟ قيل : شكرت له هو أن تؤم إحسانه الصادر عنه فتثني عليه بذلك وشكرته إذا لم تلتفت إلى فعله بل تجاوزت إلى ذكر ذاته دون اعتبار أفعاله فهو أبلغ من شكرت له ، وإنما قال :وَاشْكُرُوا لِيولم يقل : « واشكروني » علما بقصورهم عن إدراكه بل عن إدراك آلائه كما قال :وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها[ إبراهيم : 34 ] فأمرهم أن يعتبروا بعض أفعاله في الشكر للّه . ثم قال : فإن قيل : لم قال بعده :وَلا تَكْفُرُونِولم يقتصر على أحد اللفظين قيل : لما كان الإنسان قد يكون شاكرا في شيء ما وكافرا في غيره صح أن يوصف بهما على حسب النظر إلى فعليه فلو اقتصر على قوله :وَاشْكُرُوا لِيلكان يجوز أن ذلك نهي عن تعاطي فعل قبيح دون حث على الفعل الجميل فجمع بينهما لإزالة هذا الوهم ، ولأن في قوله :وَلا تَكْفُرُونِتنبيها على أن ترك الشكر كفر فإن قيل : فلم قال :وَلا تَكْفُرُونِ