تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
فَاذْكُرُونِي
بالطاعة
أَذْكُرْكُمْ
بالثواب .
وَاشْكُرُوا لِي
ما أنعمت به عليكم
وَلا تَكْفُرُونِ
( 152 ) بجحد النعم وعصيان الأمر .
شرح
كعطف جبريل على الملائكة ، وجعله الإمام من قبيل عطف الصفة كما في نحو : حياتي الأكل فالشرب فالنوم . حيث قال قوله تعالى :وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَتنبيه على أنه أرسله على حين فترة من الرسل وجهلة من الأمم فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه وذلك من أعظم النعم . قوله : ( فاذكروني بالطاعة ) على ما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله : « من أطاع اللّه فقد ذكره وإن قلّت صلاته وصيامه وقراءته القرآن ، ومن عصى فقد نسي اللّه وإن كثرت صلاته وصيامه وقراءته القرآن » . وعلي ما روي عن سعيد بن جبير من أن الذكر طاعة اللّه فمن أطاع اللّه فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة الكتاب كأن اللّه تعالى يقول : اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي . قيل : الذكر إدراك مسبوق بالنسيان كما قال الشاعر :اللّه أعلم أني لست أذكره * وكيف أذكره إذ لست أنساهفورد عليه أن يقال : فعلى هذا لا يصح إسناد الذكر إلى اللّه تعالى لكونه منزها عن النسيان ، فما معنى قوله تعالى :أَذْكُرْكُمْ ؟فاحتيج إلى أن يجيب بأن المراد بذكر اللّه تعالى لعباده ما يفعل بهم من اللطف والإحسان وإفاضة الخيرات وفتح أبواب السعادات وأطلق عليه الذكر بطريق المجاز والمشاكلة لوقوعه في صحبة ذكر العبد . فإن قيل : إن الذكر هو إدراك الشيء مطلقا أي سواء كان على نسيان أو لا فلا سؤال ولا جواب . كما قيل : الذكر ذكره عن نسيان وذكر لا عن نسيان . قال بعض العلماء : خص اللّه تعالى هذه الأمة بفضل قوة وكمال بصيرة بالنسبة إلى بني إسرائيل إذ قال لهم :يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ[ البقرة : 40 ، 47 ، 122 ] أي نعمة المنة المغفول عنها لتنظروا فيها إلى المنعم وقال لهذه الأمة :فَاذْكُرُونِيفأمرهم أن يذكروه بلا واسطة لقوة بصيرتهم . قال الإمام : الذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح ، فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرأوا كتابه ، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع : أحدها أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ويتفكروا في الجواب عن الشبه العارضة في تلك الدلائل ، وثانيها أن يتفكروا في الدلائل على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده . فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل عليهم الفعل ، وثالثها أن يتفكروا في أسرار مخلوقات اللّه تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات