تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
يشهد للأوّل أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم . عن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه سأل عبد اللّه بن سلام رضي
شرح
صدقه صلّى اللّه عليه وسلّم في دعوى النبوة وأما أمر القبلة فإنما تدل عليه بواسطة دلالتها على حقية أمر النبوة وبواسطة أن أمر القبلة من جملة ما جاء به عليه الصلاة والسّلام فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى . انتهى كلامه . ولا يخفى أن حمل العلم على النبوة لا يخلو عن تعسف . واختلاف هذه الأقوال إنما نشأ من النظر إلى جانب اللفظ وتوجيهه ولا تنافي بينهما من حيث المعنى فإن معرفة حقية أمر النبوة وأمر القبلة وكون القرآن وحيا إلهيا أمور متلازمة . قوله : ( يشهد للأول ) خبر لقوله تعالى :كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْوالمراد بالأول رجوع ضمير يعرفونه إلى الرسول عليه السّلام فإنه لو كان راجعا إلى غيره لكان المناسب أن يقال : كما يعرفون التوراة والإنجيل أو كما يعرفون مجيء الوحي لموسى عليه الصلاة والسّلام وعيسى عليه الصلاة والسّلام أو كما يعرفون أمر بيت المقدس ليحصل مزيد الملاءمة بين المشبه والمشبه به . قوله : ( أي يعرفونه بأوصافه ) من كونه نبيا حقا وكونه هو الموعود ببعثته في كتبهم وكونه صادقا في جميع ما ادعى أنه جاء به من عند اللّه فإنهم كانوا يعرفونه صلّى اللّه عليه وسلّم بهذه الأوصاف بأن شاهدوا ما خلق اللّه في يده من المعجزات معرفة لا يشوبها شيء من الاشتباه والالتباس كما يعرفون أبناءهم بذواتها وأشخاصها مميزين عن سائر الغلمان . إذا رأوهم فيما بينهم . فالمعرفة المشبهة قطعية نظرية والمشبه بها قطعية ضرورية مستندة إلى المشاهدة والإحساس ، والمعرفة الضرورية أقوى من المعرفة النظرية البرهانية وإن كانت كل واحدة منهما قطعية ، فلذلك جعلت الأولى مشبها بها للثانية . وإن أريد بكل واحدة من المعرفتين المعرفة بحسب الوصف كما قال الإمام النسفي من أن المعنى حينئذ يعرفونه بالرسالة والنبوة كما يعرفون أبناءهم بالنسب والبنوة . ويدل عليه أيضا قول عبد اللّه بن سلام لعمر رضي اللّه عنهما : يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما عرفت ابني ومعرفتي بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أشد من معرفتي بابني . فقال عمر : كيف ذلك ؟ فقال : لأني لست أشك في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنه هو النبي الموعود من حيث إن نعوته مبينة في كتابنا وأما ولدي فلا أدري ما صنعت والدته فلعلها خانت . فقبل عمر رأسه فقال : رفعك اللّه يا ابن سلام فقد صدقت . فإنه يدل على أن المراد بمعرفة الأبناء معرفتهم بالنسب والبنوة فيرد حينئذ أن يقال : قاعدة التشبيه أن يكون وجه الشبه في المشبه به أقوى بالنسبة إلى المشبه فتستلزم الآية أن يكون معرفتهم بأبنائهم أقوى لوقوعها مشبها بها وليس كذلك لأنها معرفة ظنية مستندة إلى ظاهر الفراش ومعرفة أمر النبوة قطعية مستندة إلى برهان قاطع إلا أن يقال : معرفة الأبناء أقوى بالنسبة إليهم لأنهم يقطعون بنسب أبنائهم قطعا
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 374 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين