وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
فإن اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك لتصلّب كل حزب فيما هو فيه .
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
على سبيل الفرض والتقدير أي ولئن اتبعتهم مثلا بعدما بان لك الحقّ وجاءك فيه الوحي .
إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ
( 145 ) أكّد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه ،
شرح
إيمانهم من بعد ما علمت من القاطع أن قبلة اللّه هي الكعبةإِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَأي لمن المرتكبين الظلم الفاحش مثلهم .
قوله : ( على سبيل الفرض والتقدير ) لما كان لزاعم أن يقول ما وجه إيراد كلمة « إن » في قوله تعالى :وَلَئِنِ اتَّبَعْتَمع كونها موضوعة لأن تستعمل في المعاني الحتمية واتباع أهواء المخالفين ليس بمحتمل في حقه عليه الصلاة والسّلام للقطع بعصمته من المعاصي ، ولأن المراد باتباع أهوائهم هو اتباع قبلتهم وقد أخبر اللّه تعالى أولا أنه عليه الصلاة والسّلام ليس بتابع قبلتهم فتكون تلك المتابعة منتفية منه قطعا وإدخال كلمة « إن » عليها استعمالا لها فيما علم انتفاؤه ولا يكون وقوعه محتملا ؟ أجاب عنه بأن ما علم انتفاؤه قطعا هو الاتباع حقيقة لا فرض الاتباع وكلمة « إن » دخلت على الثاني لا على الأول وأشار في ضمنه إلى أن الجائي حقيقة هو الوحي وأن إسناد المجيء إلى العلم من قبيل إسناد الفعل إلى السبب للتنبيه على أنه لكماله في السببية كأنه نفس العلم الحاصل به .
قوله : ( أكد تهديده الخ ) فإن قوله تعالى :وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْالآية خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتحذير له عن متابعة الهوى فإن علمه تعالى برفعة شأنه صلّى اللّه عليه وسلّم وعصمته من ارتكاب المعاصي لكمال عقله وما قام عنده من الدلائل العقلية القطعية لا يقتضي أن لا ينهاه عن القبائح والمنكرات بل يأمره وينهاه ويفصل له أنواع الدلائل المظهرة للحق في كل باب تأكيدا للدلائل القطعية بالأدلة النقلية وطلبا لمزيد ثباته على الحق كما قال له عليه الصلاة والسّلام :وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[ الأنعام : 14 ] ولَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ[ الزمر : 65 ] مع أن الأئمة اتفقوا على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ما أشرك قط وما مال إليه أبدا . وفي تخصيصه صلّى اللّه عليه وسلّم بالنهي عن مثله مع كونه منهيا عنه بالنسبة إلى كافة المكلفين تنبيه على أن ضد هذا المنهي عنه أمر عظيم الشأن جدير بالاهتمام به فلذلك أوثر بالتوصية والأمر بمحافظة من هو أعظم الناس منزلة عند الآمر وفيه تحريض للغير على محافظته والاجتناب عن إضاعته على آكد وجه وأبلغه . وفي عادة الناس أن يوجهوا أمرهم ونهيهم إلى من هو أعظم منزلة عندهم إرشادا للغير وتأكيدا .
قال الراغب : وقول من قال : الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمعنى به الأمة لا وجه له ، فإنه تعالى يحذر نبيه عليه الصلاة والسّلام من اتباع الهوى أكثر مما يحذر غيره فإن ذا المنزلة الرفيعة