ما ثبت أنه من اللّه تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب . وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ومن ربك حال ، أو خبر بعد خبر . وقرىء بالنصب على أنه بدل من الأول أو مفعول يعلمون .
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
( 147 ) الشاكّين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به وليس المراد نهي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن الشك فيه لأنه غير متوقع منه وليس بقصد واختيار ، بل إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ .
شرح
الجنس أو بغيرها يفيد الحصر نحو : الكرم التقوى أي لا غيرها والأمير الشجاع والأمير زيد أو غلام زيد أي لا غيره ، أو كان غير معرف أصلا نحو : التوكل على اللّه ، والكرم في العرب ، والإمام من قريش . فإن جعل خبرا فهو مقصور على المبتدأ نحو : زيد وعمرو الشجاع ، والأول قصر حقيقي إذا لم يكن في الواقع أمير سوى زيد وإن كان في الواقع أمير سواه يكون القصر ادعائيّا منبئا عن كمال ذلك الجنس في المسند إليه أي هو الكامل في الإمارة تبرز الكلام في صورة توهم أن الإمارة مقصورة لا تتجاوز إلى غيره لعدم الاعتبار بإمارة غيره لقصورها عن رتبة الكمال كائنها ليست بإمارة . والمثال الثاني ظاهر في القصر الادعائي فظهر بهذا أن قوله : « هو الحق » يفيد الحصر وأن المعنى أن ما أنت عليه أو ما جاءك من العلم أو ما يكتمونه هو الحق لا ما يدعون ويزعمون . وإن ضمير « هو » في قول المصنف : « أي هو الحق » راجع إلى ما سبق ذكره صريحا أو كناية أو إلى ما هو في حكم المذكور لكونه معلوما للمخاطب حاضرا في ذهنه كما فصل آنفا . وعلى تقدير أن يكون لفظ« الْحَقُّ »خبر مبتدأ محذوف يتعين أن تكون اللام فيه للجنس ولا وجه لأن تكون للعهد إذ لا معنى لأن يقال : الحق المعهود هو الحق ويكون قوله تعالى :مِنْ رَبِّكَحالا مؤكدة مقررة لمضمون الجملة الاسمية لأن مضمونها لازم لمضمون ما قبلها كما في قولك : هو الحق بيننا . وقرأ عليّ رضي اللّه عنه « الحق من ربك » بنصب الحق على أنه بدل من الأول أي يكتمون الحق الحق من ربك أو على أنه مفعول« يَعْلَمُونَ ». وعلى التفسيرين يكون من « ربك » حالا مؤكدة . قوله : ( وليس بقصد واختيار ) فإن الإنسان كما لا ينهى عما لا يتوقع منه لا ينهى أيضا عما لا مدخل فيه للقصد والاختيار كالشك والجهل والجوع والعطش . فإذا أوردت صورة النهي في مثل هذه المواضع لا يراد بها حقيقة النهي بل يقصد بها شيء آخر فقوله تعالى :فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَمن قبيل الخطاب العام الوارد على صورة النهي والمقصود منه إخبار كافة الناس بأن المقام ليس بمظنة لأن يرتاب فيه أحد من الأنام وهو خطاب له عليه الصلاة والسّلام لكونه أبلغ في نهي الأمة عن الامتراء ، لأن امتراء من كان أمة له صلّى اللّه عليه وسلّم بمنزلة امترائه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونهي الأمة عن الامتراء معناه أمرهم بضده الذي هو اليقين