سادّ مسدّ جواب الشرط . والمعنى ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها الحجّة وإنما خالفوك
شرح
مظهرا أو مضمرا فلما اجتمع القسم والشرط مع تقدم القسم جعل الكلام الذي بعدهما جواب القسم لتقدمه وأضمر جزاء الشرط لدلالة جواب القسم عليه وقيامه مقامه . ثم إنه تعالى بيّن بالآية الأولى أنه ليس لهم شبهة في حقية أمر القبلة وإنما ينكرونها مكابرة وعنادا . ثم وصفهم في هذه الآية بشدة الشكيمة وكمال الإباء عن متابعة الحق والانقياد له . وتوضيح المعنى أن مكابرتهم في الإعراض عن قبول الحق بلغت إلى حيث لا تزول بإيراد الدلائل وإن أورد كل ما يدل عليه من البراهين والحجج لأن المكابرة لا تزول بالبرهان وإنما يزول به الجهل والشبهة ولا شبهة لهم حتى تزول بالبراهين . فإن قيل : كيف حكم بأنهم لا يتبعون قبلته عليه الصلاة والسّلام وقد آمن فريق منهم وتبعوها أليس هذا خلفا في خبر اللّه وكذبا ؟ أجيب بأنه إنما يلزم الخلف لو نزلت الآية في حق أهل الكتاب كلهم فدل ذلك أنها نزلت في حق قوم معينين علم اللّه تعالى أنهم لا يؤمنون ولا يتابعون محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم في قبلته التي حول إليها .
وقيل : المحكوم عليهم بعدم المتابعة هم كل أهل الكتاب بأسرهم دون الأبعاض منهم .
والمعنى أن الذين أوتوا الكتاب كلهم لا يتبعون قبلتك وإن أقمت عليهم كل دليل ، ومتابعة البعض لا تنافي الحكم بأن كلهم لا يتبعونها فإنك لو قلت : ما آمنوا ولكن آمن بعضهم لم يكن متنافيا . قال الإمام أبو منصور : في الآية دلالة على أن كثرة الآيات وعظمها في نفسها لا تجعل المرء مجبورا في تحصيل ما أقيم عليه الدلائل ولا تعجز المعاند عن المعاندة إذ لو كان كذلك لما أخبر اللّه تعالى بخلاف ذلك . وهذا يبطل قول الجبائي في تفسيره بمشيئته الجبر فإن المعتزلة يقولون بأن اللّه تعالى شاء الإيمان من جميع أهل الأديان لكن امتنع البعض عن الإقدام عليه باختياره وقلنا : من علم اللّه منه وجود الإيمان شاء منه الإيمان ومن علم أنه لا يؤمن بل يكفر شاء منه الكفر ولم يشأ منه الإيمان ونستدل عليهم بقوله تعالى :وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها[ السجدة : 13 ] إذ لو شاء الإيمان من الكل لكان هذا خلفا . وكان أوائلهم يؤولون هذه الآية ويقولون : إن المراد منه مشيئة الجبر لا المشيئة عن اختيار ، وأهل السنة أبطلوا هذا التأويل وقالوا : إن الإيمان بطريق الجبر لا يتحقق عندكم من تخلق الفعل وتخلصه فإن اللّه تعالى إذا خلق فيهم الإيمان جبرا كان المؤمن هو اللّه تعالى دون من يقوم به وتخلق فيه . فلما عرف الجبائي هذا الإلزام فسر الإيمان بطريق الجبر بقوله : هو أن يرى تعالى آية ينظرون بها في تحصيل الإيمان وهذه الآية تبطل قوله فإنه أخبر أنه وإن قام في حقهم أعظم الآيات لم يوجد منهم الاتباع ، فدل أنه بقي لهم الاختيار في الاتباع ووجود الآية العظمى . انتهى . وفي شرح الرضي : واعلم أنه لو وقع جواب القسم المقدم على « إن » الشرطية وما يتضمن معناها فعلا ماضيا نحو فعل وما فعل فالمراد به الاستقبال لكونه سادا