مكابرة وعنادا .
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
قطع لأطماعهم فإنهم قالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ، تغريرا له وطمعا في رجوعه . وقبلتهم وإن تعددت لكنها متحدة بالبطلان ومخالفة الحق .
شرح
مسد جواب الشرط قال اللّه تعالى :وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَوَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما[ فاطر : 41 ]وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا[ الروم : 51 ] إلى قوله :لَظَلُّوا .انتهى كلامه . وقوله تعالى :وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْعطف على جواب القسم منصب على محل المفعولين معا كذا قيل : يعني أنه معطوف على الجملة الشرطية مع ما يسد مسد جوابها إلا على الجملة القسمية ولا يلزم عطف الإخبار على الإنشاء ولا على ما يقوم مقام جواب الشرط ، إذ لا وجه لتعليقه بالشرط المذكور وهو ظاهر . فإن قوله :ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَمسوق لبيان قوة عنادهم ونهاية مكابرتهم وقوله تعالى :وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْليس على ذلك الأسلوب بل المقصود منه كما ذكر قطع أطماعهم الفارغة في رجوعه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قبلتهم وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة كما نسخت الأولى . وقيل :
المقصود منه نهيه عليه الصلاة والسّلام عن المطاوعة لتغريرهم وإطماعهم إياه صلّى اللّه عليه وسلّم في أنه لو عاد إلى قبلتهم لآمنوا به وصدقوه . فالمعنى : وما لك أن تتابعهم في القبلة وتصلي إليها استمالة لقلوبهم وطمعا في إيمانهم أي لا تفعل ذلك فإن متابعتهم في القبلة لو أدت إلى إيمانهم لآمنوا وأنت مصلي إليها فلما لم يؤمنوا بل جعلوا تلك المتابعة ذريعة إلى العناد والإنكار حيث قالوا : إنه يخالفنا في ملتنا ثم إنه يتابعنا في قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل . ظهر أن متابعتهم في القبلة لا مدخل لها في إيمانهم ثم قيل : وهذا التأويل كأنه أقرب فإن آخر الآية صرح عن الوعيد له صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَأي إنك إذا منهم هم ظالمون . انتهى . فعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون قوله تعالى :وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍفي معرض التعليل للنهي المدلول عليه بالكلام السابق . فالمعنى أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة فلا يمكنك إرضاؤهم وإصلاحهم باتباع قبلتهم فلا تصل إليها بعدما صرفتك عنها فإنك إن أرضيت إحدى الفرقتين أسخطت الأخرى ، فإن اليهود لا تستقبل المشرق أبدا والنصارى لا تستقبل بيت المقدس . قوله : ( وقبلتهم وإن تعددن ) جواب عما يقال : كيف قيل وما أنت بتابع قبلتهم بتوحيد القبلة مع أن لكل طائفة قبلة على حدة ؟ ومحصول الجواب أن التعدد الذاتي لا ينافي الوحدة الفرضية فروعيت هنا جهة الوحدة الفرضية فوحد لفظ القبلة لذلك وروعيت جهة التعدد الذاتي في قوله تعالى :وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْوالأهوآء جمع هوى وهو الإرادة والمحبة أي ولئن وافقتهم في مراداتهم بأن صليت إلى قبلتهم مداراة لهم وحرصا على