تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
خص الرسول بالخطاب تعظيما له وإيجابا لرغبته ثم عمّم تصريحا بعموم الحكم وتأكيدا لأمر القبلة وتحضيضا للأمة على
شرح
قيل : لما أنزل اللّه تعالى في رجب بعد زوال الشمس قوله :قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ[ البقرة : 144 ] الآية . نسخت هذه الآية ما كان قبلها من التوجه إلى بيت المقدس فصارت الكعبة قبلة المسلمين إلى يوم ينفخ في الصور . والمشهور أن التوجه إلى بيت لمقدس إنما صار منسوخا بالأمر بالتوجه إلى الكعبة . وقيل : إنه صار منسوخا بقوله تعالى :وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ[ البقرة : 115 ] فإنه يقتضي كون المصلي مخيرا في التوجه إلى أي جهة شاء فيكون ناسخا لحكم التوجه إلى جهة معينة . ثم إن آية التخيير صارت منسوخة بقوله تعالى :فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ[ البقرة : 144 ] احتجاجا بما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن بل المذكور في القرآن قوله تعالى :وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِفوجب أن يكون قوله تعالى :فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِناسخا لذلك لأمر . وذكر شمس الدين الفناري نور اللّه مرقده المنير في تفسير الفاتحة : أن أول ما نسخ من المنسوخات هو خمسون صلاة نسخت إلى خمس للتخفيف حين طلبه صلّى اللّه عليه وسلّم بإلقاء موسى عليه الصلاة والسّلام إليه ذلك الطلب ، ثم تحويل القبلة إلى بيت المقدس بمكة امتحانا للمشركين بعد أن كان للمصلي أن يتوجه حيث شاء لقوله تعالى :فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِثم تحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة بالمدينة امتهانا لليهود . واللّه تعالى أعلم . قوله : ( خص الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالخطاب الخ ) لما ورد أن يقال : خطاب الرسول المأمور بتبليغ ما نزل عليه وتكليفه بما أمر بمنزلة خطاب أمته وتكليفهم به فما الوجه في تخصيصه عليه الصلاة والسّلام بالخطاب أولا بقوله :فَوَلِّ وَجْهَكَ[ البقرة : 144 ] ثم تعميمه للكل بقوله :فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْشطرفإنه يشبه التكرار ؟ أجاب عنه بأن الأمر كذلك إلا أنه عليه الصلاة والسّلام خص أولا بالخطاب تشريفا له وتعظيما وإتيانا لما رغب فيه وتحصيلا على أن الإيجاب مقابل للسلب ، ثم عم الخطاب للكل تصريحا بعموم الحكم فإنه لو اكتفى بالخطاب الخاص لجاز أن يتوهم أنه عليه الصلاة والسّلام قد خص بهذا الحكم كما خص في قوله تعالى :قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا[ المزمل : 2 ] وتأكيدا لأمر القبلة فإن تحويل القبلة لما كان ذا قدر عظيم ومنزلة خصت الأمة أيضا بخطاب على حدة تأكيدا لأمر التحويل ، فإن السلطان إذا خاطب بعض خواصه بأمر ذي بال يعمه ورعيته ثم خاطبهم بخطاب مستقل يكون ذلك أوقع عندهم وأدعى لهم إلى قبوله . وأيضا في ذلك تشريف لهم