وجّه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين . وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم فسمّي المسجد مسجد القبلتين .
شرح
إلى ذلك الخط المار بالكعبة على استقامة من غير أن تكون إحدى الزاويتين الحادتين في الملتقى حادة والأخرى منفرجة بل يحصل هناك قائمان ، أو تقول هو أن تقع الكعبة فيما بين خطين يلتقيان في الدماغ ليخرجا إلى العينين كما في المثلث . والمذكور في كتب الفقه كالذخيرة والنهاية والكافي أن من كان بمكة ففرضه إصابة عينها إجماعا حتى لو صلى مكي في بيته ينبغي أن يصلي بحيث لو أزيلت الجدران يقع الاستقبال على عين الكعبة بخلاف الآفاقي فإن فرضه إصابة جهتها لا عينها في الصحيح ، وهذا قول الشيخ أبي الحسن الكرخي والشيخ أبي بكر الرازي رحمهما اللّه تعالى . وذلك لأنه ليس في وسع المصلي سوى هذا والتكليف بحسب الوسع . وقوله : « في الصحيح » احتراز عن قول أبي عبد اللّه الجرجاني فإنه قال : من كان غائبا عنها ففرضه إصابة عينها لأنه لا فضل في النص . وثمرة الخلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة فعلى قول الجرجاني يشترط ، وعلى قول الكرخي والرازي لا يشترط ، وهذا لأن إصابة عينها لما كانت فرضا عند الجرجاني ولا يمكن إصابة عينها حال غيبته عنها إلا من حيث النية عينها . وعندهما لما كان الشرط في حق من غاب عنها إصابة جهتها وإصابة الجهة لا تتوقف على نية العين قالا : لا حاجة إلى اشتراط نية العين . وذكر الزندوستي في نظمه :
أن الكعبة قبلة من يصلي في المسجد الحرام والحرم قبلة العالم . وقيل : مكة وسط الدنيا فقبلة أهل المشرق إلى المغرب عندنا وقبلة أهل المغرب إلى المشرق وقبلة أهل المدينة إلى عين من توجه إلى المغرب وقبلة أهل الحجاز إلى بيان من توجه إلى المغرب . كذا في الذخيرة والنهاية . والمقصود من نقل هذه المقالات بيان أن الأئمة الحنفية والشافعية متفقون على أن القبلة في حق من عاين البيت هي عين البيت ، وفي حق من غاب عنه وبعد هي سمت البيت . ولا يخالف الجمهور في هذه المسألة إلا أبو عبد اللّه الجرجاني ، ويؤيده قول المصنف : « والبعيد يكفيه مراعاة الجهة بخلاف القريب » فإنه من العلماء الشافعية وقد صرح بالوفاق ، فقول الإمام الرازي لا شاهد له . قوله : ( وتبادل الرجال والنساء صفوفهم ) لأنه عليه الصلاة والسّلام لما تحول إلى الكعبة وتوجه إليها وقد كانت الكعبة في أول صلاته في جهة خلفه لما مرّ من أن المدينة بين مكة وبين بيت المقدس فمن استقبل إحداهما فقد استدبر الأخرى فلما تحولت الصفوف إلى جهة الكعبة تقدمت صفوف النساء على صفوف الرجال بعد أن كانت متأخرة عنها فوجب أن تنتقل صفوف الرجال إلى موضع صفوف النساء وبالعكس . وبنو سلمة بكسر اللام قبيلة من الأنصار قالوا : ليس في العرب سلمة غيرهم .