ممنوع عن الظلمة أن يتعرضوه . وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأنه عليه الصلاة والسّلام كان في المدينة والبعيد يكفيه مراعاة الجهة فإن استقبال عينها حرج عليه بخلاف القريب .
روي أنه عليه الصلاة والسّلام قدم المدينة فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم
شرح
على كافة المكلفين استقبال القبلة والمكلف لا يخرج عن عهدة ما كلف به بالشك . ثم قال :
احتج أبو حنيفة رضي اللّه عنه بأمور : الأول ظاهر هذه الآية وذلك لأنه تعالى أوجب على المكلف أن يولي وجهه إلى جانبه ومن ولّى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة فيه فقد أتى بما أمر به سواء كان مستقبلا للكعبة أولا فوجب أن يخرج عن العهدة بإصابة جهة الكعبة ، وأما الخبر فما روى أبو هريرة رضي اللّه عنه أنه عليه الصلاة والسّلام قال : « ما بين المشرق والمغرب قبلة ولو كان الغرض إصابة عين الكعبة لما كان ما بينهما قبلة » .
وذكر في كتب الفقه أن استقبال القبلة واستدبارها مكروهان سواء كان في البنيان أو الصحراء لقوله عليه الصلاة والسّلام : « إذا أتيتم الغائط فعظموا قبلة اللّه تعالى لا تستقبلوها ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا » فإن هذا الحديث أيضا يدل على أن من لم يشرق أو يغرب في الخلاء فهو مستقبل للقبلة أو مستدبرها وهو يستلزم أن يكون ما بينهما قبلة . ويدل عليه أيضا أن الناس من عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام ولم يحضروا قط مهندسا عند تعيين جهة القبلة فيها مع أن إصابة عين الكعبة لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة وحيث اجتمعت الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على صحة ما وقع فيها من الصلاة علمنا أن محاذاة عين الكعبة ليست بشرط . وأيضا لو كان استقبال عين الكعبة واجبا لكان تعلم الدلائل الهندسية واجبا على كل أحد لأن استقبال العين لا سبيل إليه إلا بتلك الدلائل ولما كان غير واجب علمنا أن استقبال العين غير واجب ، فإن قيل : الدائرة وإن كانت عظيمة يكون جميع القطع المفروضة محاذية لمركز الدائرة والصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة محيطة بالكعبة والكعبة كأنها نقطة لتلك الدائرة إلا أن الدائرة إذا صغرت ظهر التقوس والانحناء في كل واحدة من القطع المفروضة فيها ، بل يرى كل قطعة منها شبيهة بالخط المستقيم فلا جرم صحت الجماعة بصف مستطيل ممتد إلى جانبي المشرق والمغرب يزيد طوله على أضعاف مقدار البيت لكون كل واحد مما فيه متوجها إلى عين الكعبة . فأما النقطة المفروضة فيها إنما تكون محاذية لمركزها إذا كان الخط الخارج من كل واحدة منها واقعا على المركز محاذيا لها ومجرد كونها من أجزاء الدائرة لا يستلزم ذلك وهو ظاهر في أن استقبال العين ليس بواجب وإنما الواجب هو استقبال السمت والجهة . ومعنى استقبال السمت أنّا لو فرضنا خطا مستقيما من نقطة من النقط المفروضة في دائرة الأفق مارا على الكعبة واصلا إلى النقطة المقابلة على الاستقامة لكان الخط الخارج من جبين المصلى