فَوَلِّ وَجْهَكَ
اصرف وجهك
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
نحوه . وقيل :
الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء من شطر إذا انفصل ، ودار شطور أي منفصلة عن الدّور ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصل كالقطر . والحرام المحرّم أي محرّم فيه القتال أو
شرح
في حقه عليه الصلاة والسّلام ولا في حق أحد من المسلمين جعل الرضى مجازا عن المحبة والاشتياق . ثم أشار بقوله : « لمقاصد دينية » إلى أن تلك المحبة لم تكن ناشئة من هوى النفس والشهوة الطبيعية بل مما رأى فيما أحبه من المقاصد الدينية وإنه تعالى إنما أجابه فيما أحبه من حيث كون ما رأى فيه من المقاصد والمصالح موافقا لمشيئة اللّه تعالى وحكمته لا لمجرد ميله ومحبته إليه . قوله : ( اصرف وجهك ) أي اجعل وجهك بحيث يلي شطره . قوله :
( كالقطر ) فإن قطر الشيء جانبه يقال : طعنه طعنة فقطره تقطيرا أي ألقاه على أحد قطريه وهما جانباه . والمراد ههنا جملة البدن لأن الواجب على المكلف أن يستقبل القبلة بجملة بدنه لا بوجهه فقط ولعل تخصيص الوجه بالذكر للتنبيه على أنه الأصل المتبوع في التوجه والاستقبال والمتبادر من لفظ المسجد الحرام الكبير الذي فيه الكعبة قال الإمام الرازي :
اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام أي شي هو ، فحكى في كتاب السنة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب ، وهذا قول مالك . وآخرون قالوا : القبلة هي الكعبة . والدليل عليه ما خرج في الصحيحين عن عطاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : أخبرني أسامة بن زيد قال : إنه عليه الصلاة والسّلام لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال : « هذه القبلة » . ورووا أخبارا كثيرة كلها تدل على أن القبلة هي الكعبة . ثم قال آخرون : بل المراد به المسجد الحرام كله لأن الكلام يجب أن يحمل على ظاهر لفظه إلا إذا منع منه مانع . وقال آخرون : المراد من المسجد الحرام الحرم كله والدليل عليه قوله تعالى :سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ[ الإسراء : 1 ] وهو صلّى اللّه عليه وسلّم إنما أسري به من خارج المسجد فدل هذا على أن الحرم كله يسمى بالمسجد الحرام . إلى هنا كلامه . ثم ذكر أن فرض من يريد الصلاة عند الإمام الشافعي أن يستقبل عين الكعبة والجهة غير كافية في صحة الصلاة . ونقل عن صاحب التهذيب أن الجماعة إذا صلوا في المسجد الحرام يستحب أن يقف الإمام خلف المقام والقوم يقفون مستديرين بالبيت فلو امتد الصف في المسجد بحيث ازداد طوله على عرض البيت فإنه لا يصح صلاة من خرج عن محاذاة الكعبة . وعند أبي حنيفة تصح لأن إصابة الجهة عنده كافية . وأورد حجج الإمام الشافعي من الكتاب والسنة والمعقول ومن جهة أدلته العقلية أن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وكون غيرها قبلة أمر مشكوك وقد أوجب اللّه تعالى