تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
تطلّعا للوحي . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقع في روعه ويتوقع من ربّه أن يحوّله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان ولمخالفة اليهود ، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل .
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً
فلنمكننّك من استقبالها من قولك : وليته كذا إذا صيرته واليا له أو فلنجعلنك تلي جهتها .
تَرْضاها
تحبها وتتشوّق إليها لمقاصد دينية وافقت مشيئة اللّه وحكمته .
شرح
الصدق وإن كان قليلا . وقد يستعمل للتحقيق مجردا عن معنى التقليل كقوله تعالى :قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ[ البقرة : 144 ] ويستعمل أيضا للتكثير في موضع التمدح كما ذكرنا في « ربما » قال اللّه تعالى :قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ[ الأحزاب : 18 ] وقال الشاعر :قد أترك القرن مصفرا أناملهكذا في شرح الرضى . قوله : ( وكان عليه الصلاة والسّلام يقع في روعه ويتوقع من ربه ) بيان للسبب الذي دعاه عليه الصلاة والسّلام إلى تقلب وجهه المنير إلى جهة السماء وذكر له أربعة أسباب كل واحد منها وجه صحيح يصلح أن يكون سببا له ويجوز أن يكون السبب هو المجموع ، إذ لا منافاة بينهما وكون الكعبة قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وأسبق القبلتين بالنسبة إلى أهل الإسلام ظاهر بما مر وكونها أدعى للعرب إلى الإيمان من حيث إنها كانت مفخرة لهم وأمنا ومزارا ومطافا فلذلك كان عليه الصلاة والسّلام يود لو أنه تعالى صرف وجهه إليها وأمر باتخاذها قبلة كان ذلك سببا لإسلام العرب . والسبب الرابع لتوقعه عليه الصلاة والسّلام مخالفة اليهود فإنهم كانوا يقولون : إنه يخالفنا في ديننا ثم يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل . فعند ذلك كره أن يتوجه إلى قبلتهم حتى روي أنه عليه الصلاة والسّلام قال لجبريل عليه الصلاة والسّلام : « وددت لو أن اللّه تعالى يصرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها » فقال عليه الصلاة والسّلام : إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فادع ربك وسله . ثم ارتفع جبريل وجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي يسأل ربه فأنزل اللّه تعالى :قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَالآية . قوله : ( أو فلنجعلنك تلي جهتها ) يعني أن قوله تعالى :فَلَنُوَلِّيَنَّكَفعل مضارع من باب التفعيل . ثم إنه إما منقول من نحو : ولى الرجل البيع ولاية أي تمكن منه ووليته كذا إذا جعلته واليا له أو من وليه وليا أي قرب ودنا منه وأوليته إياه ووليته أي أدنيته منه فهو على الأول من الولاية ، وعلى الثاني من الولي وهو القرب . قوله : ( تحبها وتتشوق إليها ) لما كان توصيف القبلة المحول إليها بقوله :تَرْضاهامشعرا بأنه عليه الصلاة والسّلام كان ساخطا بالتوجه إلى بيت المقدس كارها له غير راض مع كونه مأمورا بالتوجه إليه وهو غير متصور