تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
قَدْ نَرى
ربما نرى
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
تردّد وجهك في جهة السماء
شرح
والرأفة شدة الرحمة فالرؤوف بمعنى الرحيم مع المبالغة فيه . فورد أن يقال : لما كان الرؤوف أبلغ كان القياس أن يؤخر عن الرحيم ليكون ترقيا من الأدنى إلى الأعلى ولا يكون ذكر الأدنى بعده مستدركا ؟ فأجاب عنه المصنف بقوله : « ولعله قدم محافظة على الفواصل » ونظيره في كون تقديم الأبلغ لرعاية الفواصل قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ[ الحج : 60 ] [ المجادلة : 2 ] فإن العفو لإنبائه عن محو السيئات أبلغ من الغفور الذي ينبئ عن الستر والمحو أبلغ من الستر . قوله : ( ربما نرى ) يريد أن لفظة« قَدْ »في قوله تعالى :قَدْ نَرىللتكثير ومعناها كثرة الرؤية ، فإن كلمة « قد » تكون في المضارع للتقليل إلا أنها قد تستعار للتكثير للمناسبة بين الضدين في الضدية كما أن رب للتقليل . ثم إنه قد يستعمل في ضد أصل معناه وهو التكثير لمناسبة التضاد . ونظير الآية في كون « قد » للتكثير قول الشاعر :قد أترك القرن مصفرّا أنامله * كأن أثوابه مجّت بفرصادالقرن الكفؤ الذي يماثلك في الشجاعة ويقابلك في الحرب ، ومصفرا أنامله أي أتركه في المعركة قتيلا اصفرت أصابعه لخروج ما فيها من الدم ، ومجت بفرصاد أي صبغت بماء الفرصاد وهو التوت الأسود يقال : مج الرجل الماء والريق من فيه أي رمى به . قال الشاعر في مقام التمدح بالشجاعة والغلبة على الأقران ومقام التمدح قرينة دالة على أن كلمة « قد » مستعارة للتكثير . ومعنىتَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِتحول وجهك إلى السماء كذا نقل عن الطبري فيكون قوله تعالى في السماء متعلقا بقوله :تَقَلُّبَبتقدير في النظر إلى السماء . وكان الظاهر أن يقال : تقلب عينيك في النظر إلى السماء إلا أن تقلب الوجه لما كان أبلغ في انتظار الوحي كان ما عليه النظم أبلغ ذكر الإمام القرطبي أن العلماء قالوا هذه الآية متقدمة في النزول على قوله تعالى :سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ[ البقرة : 142 ] وفي الكواشي : أن قوله تعالى :قَدْ نَرىمستقبل لفظا ماض معنى ومتأخر تلاوة ، ومتقدم معنى لأنها رأس القصة والمعنى شاهدنا وعلمنا تردد وجهك وتصرف نظرك في السماء أي في جهتها وكلمة « قد » سواء دخلت على الماضي أو المضارع لا بد فيها من معنى التحقيق . ثم إنه قد يضاف إلى هذا المعنى في بعض المواضع مع الماضي للتقريب من الحال في التوقع أي يكون مصدرا متوقعا لما يخاطبه واقعا عن قرب كما تقول لمن يتوقع ركوب الأمير : قد ركب أي حصل عن قرب ما كنت تتوقعه . وقد يضاف معنى التقريب فقط كما إذا قلت : قد ركب زيد لمن لم يتوقع ركوبه وإذا دخلت على المضارع المجرد من ناصب وجازم وحرف تنفيس يضاف إلى التحقيق في الأغلب التقليل نحو : إن الكذوب قد يصدق أي بالحقيقة يصدر منها